تتسارع وتيرة التوترات السياسية في تركيا مع اقتراب موعد الانتخابات، بينما تتجه الأنظار إلى الساحة القضائية التي تحوّلت إلى مسرح رئيسي في صراع الإرادات بين السلطة والمعارضة.
وفي هذا السياق، أُرجئت الجلسة التي تنظر في طلب إبطال مؤتمر حزب الشعب الجمهوري إلى تاريخ 8 سبتمبر، في خطوة قرأها مراقبون على أنها تكتيك تأجيلي يعكس صراعاً على الشرعية داخل النظام.
خلفية القضية: دعوى “البطلان المطلق“
في تطور قضائي لافت، عقدت محكمة أنقرة المدنية الـ42 أولى جلساتها للنظر في الدعوى المقامة من قِبل بعض أعضاء الحزب المفصولين، وعلى رأسهم الرئيس السابق لبلدية هاتاي، لُطفي صواش، والتي تطالب بإلغاء نتائج المؤتمر العام الـ38 للحزب وعزل هيئاته القيادية. وقد تم توحيد هذه الدعوى مع أخرى مشابهة أمام المحكمة نفسها.
الجلسة شهدت نقاشاً حول خيارات قانونية متباينة، تراوحت بين احتمال الحكم بالبطلان المطلق، وتعيين وصي على الحزب، أو تأجيل البت في القضية، أو رفض الدعوى برمتها. وقررت المحكمة في النهاية تأجيل القضية إلى 8 سبتمبر، في انتظار حسم الطعن المقدم ضد قرار المحكمة السابق بعدم الاختصاص.
السياق السياسي: تحول أم انهيار؟
في تحليل شامل للكاتب والمفكر السياسي البارز، البروفيسور ممتازر توركونه، يرى أن ما يجري في تركيا اليوم ليس مجرد خلافات حزبية أو تصفية حسابات قضائية، بل تعبير عن اهتزاز بنيوي في هيكل النظام السياسي برمته. ووفق توركونه، فإن الشعب قد حسم أمره سلفاً باتجاه التغيير، وما نراه حالياً ليس إلا “آلام المخاض” لتحول سياسي قادم.
رمزية الغابة: قراءة توركونه في معادلات القوة
يستند توركونه إلى استعارات رمزية مأخوذة من تراث الحكايات السياسية مثل “كليلة ودمنة” لفهم خريطة القوة في تركيا. فيرى أن الغابة تمثل المجتمع، وأن الأسد يرمز للسلطة الغاشمة، والثعلب للداهية السياسية، والذئب للتابع الساذج، بينما تمثل بقية الكائنات الشعب.
وبحسب قراءته، فإن الأسد التركي قد شاخ وفقد أنيابه، بينما الثعلب بات عالقاً في أفخاخه، والذئب تائه، ما يدل على أزمة قيادة مستفحلة. يرى توركونه أن الشعب بات أكثر وعياً، ولم يعد يقبل تسليم “البقرة الصفراء” للغابة كما في السابق.
“ساحة العدالة”: الشارع كبديل للمحكمة
يرى توركونه أن حزب الشعب الجمهوري نجح في تحويل ساحات المحاكم إلى ميادين سياسية، مستثمراً في موجة التضامن الشعبي مع من يتعرض للظلم. وهذا ما جعل المحكمة الشعبية تتفوق على المحكمة القانونية في كسب التعاطف.
ويشدد على أن أي محاولة لتعيين وصي على حزب الشعب الجمهوري عبر قرار من محكمة درجة أولى هو بمثابة “انقلاب على إرادة الأمة”، وسيقوض شرعية النظام.
حزب الشعب الجمهوري: من الخصم إلى الحارس
يرى توركونه أن المفارقة تكمن في أن الحزب الحاكم نفسه هو من حوّل حزب الشعب الجمهوري إلى رمز للنضال من أجل الحقوق والحريات. فقد بات الحزب يجسد تطلعات الجمهور أكثر من كونه مجرد لاعب سياسي تقليدي، نتيجة ما تعرض له من ضغوط وتضييق.
التوازنات المعطلة: الأزمة الدستورية المتصاعدة
يشير توركونه إلى أن فرض وصاية قضائية على حزب سياسي يتعارض مع كل الأسس القانونية التي أرستها تركيا منذ بداية مسيرتها الدستورية. وهو يعتبر أن تدخل محكمة مدنية في صلاحيات الهيئة العليا للانتخابات (YSK) هو تهديد مباشر للنظام القانوني والشرعية الديمقراطية.
برأي توركونه، فإن ما نشهده ليس مجرد تذبذب سياسي، بل سقوط في مشروعية الدولة نفسها إذا تمادت السلطة في العبث بالمؤسسات. ويختم بالقول إن هذه الفوضى لا تخلق حكماً مستقراً، بل تعجّل بمرحلة انتقالية لا مفر منها.

