هاجم زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزغور أوزَل، سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان إزاء التصعيد العسكري ضد إيران، متهماً إياه بأنه أصبح “جزءاً من خطة أمريكية جديدة” في المنطقة، في لحظة تتّسع فيها رقعة المواجهة حول إيران وتشتبك فيها حسابات واشنطن وتل أبيب مع أمن الشرق الأوسط برمته.
وجاءت تصريحات أوزَل خلال الاجتماع الأسبوعي للكتلة البرلمانية لحزبه في أنقرة، حيث وجّه نقداً مباشراً لما اعتبره “اصطفافاً غير معلن” للحكومة التركية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإسرائيل، بدل الاضطلاع بدور الوسيط الدبلوماسي والدافع نحو التهدئة.
تفصيل موقف المعارضة من إيران والتدخل الخارجي
شدّد أوزَل على أن حزب الشعب الجمهوري لا يؤيد نظام الحكم في إيران ولا سجله في مجال الحقوق والحريات، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي تدخل عسكري خارجي من دون تفويض دولي واضح، مؤكداً أن مستقبل إيران ينبغي أن يقرره من يعيشون فيها وفي محيطها الإقليمي، لا القوى البعيدة عن المنطقة.
بهذا الخطاب حاول زعيم المعارضة أن يوازن بين انتقاد النظام الإيراني، وبين رفض تحويل الأراضي الإيرانية إلى ساحة تصفية حسابات دولية، بما ينسجم أيضاً مع الموقف التركي الرسمي الرافض للتدخل العسكري المباشر في إيران باسم منع زعزعة الاستقرار.
حرب إيران وملف الضحايا المدنيين
أولى أوزَل مساحة واسعة في كلمته للحديث عن الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري، مشيراً إلى أن “مئة وخمسين فتاة قضين في قصف أمريكي”، في إشارة إلى الضربة التي استهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في جنوب إيران وأثارت صدمة دولية مع تداول تقديرات عن مقتل أكثر من مئة تلميذة.
وانتقد ما وصفه بـ“قلة الاهتمام العالمي” بمأساة المدنيين، معتبراً أن تجاهل هذه الخسائر يعمّق الشعور بالظلم في المنطقة ويغذّي روايات التطرف والانتقام.
اتهامات بالصمت تجاه واشنطن والتطبيع العملي مع إسرائيل
اتهم أوزَل الحكومة التركية بالتزام “صمت متواطئ” تجاه إدارة ترامب، قائلاً إن حزب العدالة والتنمية الحاكم “لا ينبس ببنت شفة” حيال سياسات واشنطن، ويقبل بالجلوس مع إسرائيل “على الطاولة نفسها في غزة” في إشارة إلى التنسيق السياسي والإنساني حول القطاع، في وقت تستمر فيه الحرب الأوسع في المنطقة.
كما انتقد ما وصفه بـ“النهج المتساهل” مع السفير الأمريكي في أنقرة وعدم الرد على ما يراه مقاربة متعالية أو مهينة، معتبراً أن هذا السلوك يضعف صورة تركيا ويجعلها تظهر كطرف تابع لا شريك ندّي في الترتيبات الإقليمية.
استدعاء ذاكرة 1 آذار 2003: التاريخ يعيد نفسه؟
ربط أوزَل بين اللحظة الراهنة وما جرى في تركيا عام 2003، عندما طُرحت في البرلمان مذكرة تسمح للجيش الأمريكي باستخدام الأراضي التركية لفتح جبهة شمالية في غزو العراق، قبل أن تسقط في التصويت في الأول من آذار من ذلك العام.
وذكّر بأن أردوغان حينها – رغم عدم تولّيه رئاسة الحكومة بعد – دفع باتجاه التعاون مع واشنطن وضغط داخل حزبه لتمرير المذكرة، معتبراً أن السيناريو يتكرر اليوم في صورة “خطة أمريكية جديدة” تسعى لجرّ تركيا إلى هندسة إقليمية تتقاطع فيها الحرب على إيران مع حسابات إسرائيل والأمن الأطلسي.
“لا يضع خطة ولا يرى الخطة”
في ذروة انتقاده، قال أوزَل إن أردوغان اليوم “جزء من خطة أمريكية جديدة”، لكنه في الوقت نفسه “لا يملك خطة لعب، ولا يرى اللعبة”، على عكس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “اللذين يعرفان تماماً ما يفعلانه.
بهذه العبارة حاول زعيم المعارضة تصوير الحكومة التركية كفاعل يتم توظيفه داخل هندسة استراتيجية أوسع، لا كصانع قرار مستقل يضع جدول أعماله الخاص، في لحظة تتسم بتعقيد غير مسبوق في توازنات القوى داخل الشرق الأوسط.
الدعوة للعودة إلى طاولة الدبلوماسية
اختتم أوزَل مداخلته بالدعوة إلى حل الأزمة عبر “العودة إلى طاولة الدبلوماسية”، مشدداً على ضرورة أن تكون تركيا “مثابرة” في الدفاع عن هذا الخيار لا أن تنزلق تدريجياً إلى موقع الشريك في عمل عسكري غير مفوض دولياً ضد إيران.
يرى معسكر المعارضة أن أنقرة، بحكم موقعها الجغرافي وعضويتها في الناتو وعلاقاتها المتشابكة مع طهران والغرب معاً، قادرة نظرياً على لعب دور وسيط، لكنها – بحسب انتقاد أوزَل – تهدر هذه الورقة بالاقتراب العملي من استراتيجية واشنطن وتل أبيب بدلاً من تقديم مبادرة مستقلة لخفض التصعيد.
موقع تركيا بين الحرب والسلام
في ضوء التحذيرات التي أطلقها أردوغان نفسه من “عواقب خطيرة” للحرب على أمن المنطقة والعالم، يتبلور في أنقرة جدل داخلي بين خطاب رسمي يحاول تجنب الانخراط العسكري المباشر ويضغط دبلوماسياً لاحتواء التصعيد، وبين معارضة تخشى أن تتحول هذه السياسة إلى نوع من التغطية الضمنية على عمليات أمريكية وإسرائيلية في إيران.
الرسالة الجوهرية في خطاب أوزَل تكمن في أن تركيا تقف اليوم على مفترق طرق بين أن تكون ضامناً للاستقرار عبر الدبلوماسية أو تتحول تدريجياً – عن قصد أو عن تقصير – إلى جزء من ترتيبات أمنية تقودها واشنطن، تتجاور فيها الحرب على إيران مع استمرار النزاع في غزة وتوتر ملفات العراق وسوريا ولبنان.
خلاصة
خطاب أوزغور أوزَل وضع أردوغان في قلب “خطة أمريكية جديدة” تستهدف رسم ملامح المرحلة المقبلة في ظل حرب إيران، محذّراً من انزلاق تركيا إلى موقع الشريك في التصعيد بدل الوسيط في التهدئة.
في المقابل، يطرح أوزَل خيار الدبلوماسية المتواصلة وحماية القرار المستقل كسبيل وحيد لتجنّب تكرار أخطاء 2003 وتفادي أن يدفع المجتمع التركي ثمن صراعات لا يصنع أجندتها.

