أثار الإعلان الأميركي عن عملية عسكرية أدت إلى احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، موجة تفاعلات سياسية خارجية، كان أبرزها في الداخل التركي حيث تحوّل صمت الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مادة سجال سياسي حاد. فبينما اكتفت أنقرة ببيان دبلوماسي مقتضب، رأت المعارضة في هذا الموقف انعكاسًا مباشرًا لحسابات معقّدة تتجاوز الملف الفنزويلي بحد ذاته.
هجوم مباشر من زعيم المعارضة
خلال تجمع جماهيري في ولاية تشانقري وسط تركيا، وجّه زعيم حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل انتقادات لاذعة للرئيس أردوغان، متهمًا إياه بتجنّب أي موقف علني تجاه ما وصفه بـ“الانقلاب الأميركي في فنزويلا”.
وأكد أوزيل أن أردوغان “لم ينطق بكلمة واحدة” بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن العملية، معتبرًا أن هذا الصمت ليس دبلوماسيًا بقدر ما هو سياسي نابع من القلق والخشية من واشنطن.
وذهب أوزيل أبعد من ذلك، واصفًا أردوغان بأنه زعيم “يبحث عن الشرعية في المكتب البيضاوي”، ويضبط مواقفه الخارجية بما يراعي علاقته الشخصية مع ترامب أكثر مما يراعي مبادئ السياسة الخارجية التقليدية.
بين السيادة والقانون الدولي
رغم انتقاداته لمادورو، أقرّ زعيم المعارضة بأن الرئيس الفنزويلي ارتكب أخطاء جسيمة، أبرزها عدم تنظيم انتخابات نزيهة، غير أنه شدد في المقابل على أن العملية الأميركية تمثل انتهاكًا صريحًا لسيادة الدول وللقانون الدولي. ووفق هذه القراءة، فإن الاعتراض لا ينصب على شخصية مادورو بقدر ما يتعلق بسابقة خطيرة في العلاقات الدولية، تشرعن التدخل العسكري لتغيير الأنظمة.
حسابات أنقرة الصامتة
في الوقت الذي تصاعد فيه الجدل الداخلي، اكتفت وزارة الخارجية التركية ببيان مكتوب أكدت فيه أنها تتابع التطورات عن كثب، وأن أنقرة تولي أهمية لاستقرار فنزويلا وسلامة شعبها. بيان لم يتضمن أي إدانة أو تأييد، ما عزز الانطباع بوجود حذر رسمي متعمّد في التعاطي مع الحدث.
هذا الحذر يكتسب دلالة خاصة إذا ما استُحضر تاريخ العلاقات بين أنقرة وكاراكاس، إذ حافظت تركيا لسنوات على علاقات وثيقة مع حكومة مادورو، حتى في ذروة العقوبات الأميركية والضغوط الدولية. بل إن أردوغان كان من أبرز القادة الذين أعلنوا دعمهم العلني لمادورو خلال أزمة عام 2019، عندما سعت واشنطن إلى دفع المعارضة الفنزويلية لإزاحته عن السلطة.
ترامب والملف الاقتصادي التركي
تربط المعارضة هذا التحفظ التركي بما تعتبره سعيًا حثيثًا من أردوغان لإعادة فتح قنوات التواصل مع الإدارة الأميركية. ووفق أوزيل، فإن الرئاسة التركية مستعدة لتقديم تنازلات اقتصادية مقابل ضمان لقاء مباشر مع ترامب، في وقت تعاني فيه تركيا من ضغوط مالية وتبحث عن تخفيف القيود والعقوبات غير المعلنة.
من هذا المنظور، يصبح الصمت التركي جزءًا من مقايضة سياسية غير معلنة: تجنب الصدام مع واشنطن في ملفات خارجية حساسة مقابل هامش حركة أوسع في الاقتصاد والعلاقات الثنائية.
فنزويلا… أكثر من أزمة بعيدة
فنزويلا، الدولة الغنية بالنفط والتي تعيش منذ سنوات عزلة دولية بسبب اتهامات تتعلق بالحكم السلطوي وانتهاكات حقوق الإنسان، لم تعد ملفًا أميركيًا–لاتينيًا محضًا. التطورات الأخيرة أدرجتها في قلب الاستقطاب الدولي، ووضعت الدول التي تربطها بها علاقات، ومنها تركيا، أمام اختبارات دقيقة في موازنة المبادئ مع المصالح.
في هذا السياق، لا يُقرأ صمت أردوغان كغياب موقف فقط، بل كإشارة إلى تحول أوسع في السياسة الخارجية التركية، حيث تتقدم البراغماتية الحادة على الخطاب المبدئي، خصوصًا عندما يكون الطرف المقابل هو واشنطن.
الخلاصة
أعاد التطور المفاجئ في فنزويلا فتح نقاش داخلي تركي حول حدود الاستقلال في القرار الخارجي. وبين صمت السلطة وانتقادات المعارضة، يبرز سؤال جوهري: هل باتت حسابات العلاقة مع ترامب تحدد سقف المواقف التركية في الأزمات الدولية؟

