في خطوة تعكس تصاعد التوتر السياسي حول استقلال القضاء في تركيا، قدم حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وهو الحزب الرئيسي للمعارضة، طعنًا إلى المحكمة الدستورية يطالب بإلغاء التصويت البرلماني الأخير الذي أسفر عن تعيين خمسة أعضاء جدد في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين (HSK)، الهيئة الأهم في إدارة شؤون القضاء التركي.
ويستند الحزب في طعنه إلى ما وصفه بـ”انتهاكات إجرائية” تمس جوهر النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية، معربًا عن قلقه من تغوّل السلطة التنفيذية على المؤسسة القضائية، في ظل هيمنة سياسية متزايدة تهدد مبدأ الفصل بين السلطات.
حيثيات الطعن: مخالفة للإجراءات وتحييد للمبدأ الدستوري
فور انتهاء التصويت في البرلمان، الذي جرى في وقت متأخر من الليل، أعلن نواب حزب الشعب الجمهوري انسحابهم من الجلسة، معتبرين أن العملية خالفت القواعد المعمول بها في البرلمان.
وقال النائب غوكان غون آيدن، نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب: “باسم كتلتنا البرلمانية، قدّمنا اليوم طلب إبطال إلى المحكمة الدستورية. نعتقد أن العملية تفتقر إلى الشفافية ومخالفة للضوابط التي تضمن النزاهة والحياد.”
وبحسب ما ورد في العريضة، فإن التصويت تجاهل بعض الشروط القانونية الأساسية، منها غياب الأغلبية المؤهلة المطلوبة لشرعية الانتخاب، وعدم تطبيق آلية القرعة لحسم التساوي في الأصوات بين المرشحين، وهو إجراء منصوص عليه قانونًا.
مخاوف أوروبية: تقرير لجنة البندقية يدق ناقوس الخطر
استشهدت المعارضة في طعنها بتقرير صادر عن لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، والتي أبدت مخاوف جدية بشأن هيكلية وعمل المجلس الأعلى للقضاء في تركيا.
وفي رأي قانوني صادر في ديسمبر 2024، حذرت اللجنة من أن هيمنة كل من الرئيس والبرلمان على تعيين أعضاء المجلس تجعل من الصعب ضمان استقلالية القضاء، بل وتضعف مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أسس الديمقراطية الدستورية.
وفقًا للتقرير فإن6 من أصل 13 عضواً في المجلس يعينهم رئيس الجمهورية بشكل مباشر، والغالبية الباقية يعينها البرلمان، الذي يسيطر عليه التحالف الحاكم، ولا يتم انتخاب أي عضو من قبل القضاة أنفسهم، مما يتعارض مع المعايير الدولية التي توصي بأن يكون نصف أعضاء المجالس القضائية على الأقل منتخبين من نظرائهم في المهنة.
كما أوصى التقرير بإقصاء وزير العدل ووكيل الوزارة من عضوية المجلس، لما لذلك من أثر سلبي على مبدأ الاستقلالية، فضلًا عن غياب ضمانات فعالة تمنع عزل الأعضاء بشكل تعسفي أو إخضاعهم لضغوط سياسية.
السياق السياسي: من قضايا الفساد إلى محاولات الانقلاب
تاريخ العلاقة المتوترة بين الرئيس رجب طيب أردوغان والجهاز القضائي يعود إلى عام 2013، عندما فُتحت تحقيقات فساد واسعة طالت مسؤولين رفيعي المستوى في حكومته.
ومنذ ذلك الحين، شن أردوغان حملة ممنهجة لتغيير تركيبة القضاء عبر تعيين الموالين، متهمًا القضاة والمدعين العامين المنخرطين في القضية بأنهم ينتمون إلى حركة كولن، التي تعتبرها أنقرة “تنظيمًا إرهابيًا”.
الأمر تصاعد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، إذ شنت الحكومة حملة تطهير واسعة شملت عزل أكثر من 4,000 قاضٍ ومدعٍ عام بحجة ارتباطهم بالحركة، وهي التهمة التي نفتها الحركة بشدة.
وأدت هذه الموجة إلى حالة من الخوف والامتثال داخل المؤسسة القضائية، جعلت القضاة المتبقين يتجنبون الدخول في صدام مع السلطة السياسية، بل ويُتهم بعضهم بالمشاركة في ملاحقات ذات دوافع سياسية.
تداعيات مستمرة وموقع متراجع عالميًا
على المستوى الدولي، لا تزال تركيا في موقع متأخر في مؤشرات سيادة القانون، حيث جاءت في المرتبة 117 من أصل 142 دولة وفقًا لمؤشر “مشروع العدالة العالمية” الصادر في أكتوبر الماضي، وهو نفس الترتيب الذي حصلت عليه العام السابق، ما يعكس جمودًا في الإصلاح القضائي رغم الوعود المتكررة من الحكومة.

