أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قراراً جديداً ضد تركيا في قضية مثيرة تعود جذورها إلى ملفات الفساد الكبرى المعروفة بـ”17 – 25 ديسمبر” التي تورط فيها الدائرة القريبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
القرار شمل ضابط الشرطة مصطفى دميرهان، أحد الضباط الذين شاركوا في تلك العمليات، لكنه جاء بعد عشر سنوات كاملة من تقديم الدعوى، وهو ما فجّر جدلاً واسعاً حول فعالية العدالة الأوروبية نفسها.
خلفية القضية
دميرهان، الذي شغل منصب أمين شرطة في تلك الفترة، لجأ إلى المحكمة الدستورية التركية بعد أن رفضت السلطات تنفيذ قرارات الإفراج الصادرة بحقه من محكمة محلية، وطعن في قانونية استمرار اعتقاله. لكن المحكمة الدستورية احتفظت بالملف لأكثر من ثلاث سنوات ونصف قبل إصدار قرارها، وهو ما مثّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ “الفصل السريع” في القضايا المتعلقة بالحرية الفردية.
قرار المحكمة الأوروبية
المحكمة الأوروبية رأت أن هذا التأخير يشكل خرقاً للمادة (5/4) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن ظروف حالة الطوارئ التي فرضت لاحقاً لا تبرر هذا التباطؤ، خصوصاً أن الطلب قدم قبل إعلان الطوارئ وأن القرار صدر بعد انتهائها. بناءً عليه، حكمت المحكمة بتعويض رمزي قدره 500 يورو إضافة إلى المصاريف القضائية على عاتق تركيا.
مفارقة لافتة
غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل، كما أوضح الحقوقي التركي أوفوك يشيل عبر حسابه في منصة “إكس”، تكمن في أن المحكمة الأوروبية نفسها استغرقت عشر سنوات كاملة قبل أن تفصل في القضية، أي بعد ست سنوات وتسعة أشهر من قرار المحكمة الدستورية. ويشير يشيل إلى هذا التناقض قائلاً: “إذا كانت المحكمة الأوروبية اعتبرت تأخير المحكمة الدستورية غير مقبول، فإنها بدورها أخطأت بتأجيل ملف بسيط لهذه المدة الطويلة“.
أزمة مضاعفة في العدالة
هذا التداخل بين تباطؤ القضاء المحلي وبطء القضاء الأوروبي يسلط الضوء على مأزق مضاعف يواجه ضحايا الانتهاكات الحقوقية في تركيا. فمن جهة، يجدون أنفسهم أمام مؤسسات محلية تفتقر إلى الاستقلالية، ومن جهة أخرى، يصطدمون ببيروقراطية أوروبية تجعل العدالة المؤجلة بلا جدوى عملية.
سياق أوسع
القضية تعيد إلى الأذهان أجواء الانقسام السياسي الحاد في تركيا عقب تحقيقات الفساد التي هزت حكومة حزب العدالة والتنمية عام 2013، وما تلاها من حملة تصفية ضد الشرطة والقضاء. ومع مرور عقد كامل، يظهر أن ملف العدالة لا يزال عالقاً، بل صار محملاً بتناقضات أوروبية تُضعف من صورة المحكمة الأوروبية كملاذ أخير للضحايا.

