أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR) حكمًا يدين تركيا بسبب احتجازها 51 قاضيًا ومدعيًا عامًا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، معتبرة أن احتجازهم السابق للمحاكمة كان غير قانوني وينتهك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR).
وجاء القرار في القضية المعروفة باسم Elibol وآخرون ضد تركيا، حيث أكدت المحكمة أن السلطات التركية خالفت المادة 5 من الاتفاقية، التي تكفل الحق في الحرية والأمن، وأمرت بدفع تعويضات لكل متضرر بقيمة 5000 يورو، بإجمالي 255,000 يورو. كما رفضت المحكمة اعتراضات أنقرة، ومنها الادعاء بأن المحتجزين لم يستنفدوا جميع سبل الطعن القانونية داخل تركيا.
خلفية القضية: القمع بعد الانقلاب
بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، شنت الحكومة التركية حملة قمع واسعة ضد من تزعم ارتباطهم بـ”حركة كولن”، متهمة إياها بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه فتح الله كولن وحركته. بموجب حالة الطوارئ التي أُعلنت عقب الانقلاب، تم فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، بينهم 4,156 قاضيًا ومدعيًا عامًا، فضلًا عن أكثر من 24 ألفًا من أفراد الجيش، وذلك عبر مراسيم طوارئ لا تخضع لأي مراجعة قضائية أو برلمانية.
التهم القانونية والإجراءات المثيرة للجدل
تم اعتقال القضاة والمدعين العامين، بمن فيهم أعضاء في المحاكم العليا، في 16 يوليو 2016 بناءً على تحقيق أطلقه مكتب المدعي العام في أنقرة. وُجهت إليهم تهم الانتماء إلى “منظمة إرهابية مسلحة” بموجب المادة 314 من قانون العقوبات التركي.
رفضت المحكمة الأوروبية مزاعم تركيا بأن الاعتقالات تمت في حالة التلبس، والتي كانت ستتيح لها تنفيذ الاعتقالات دون الحصول على إذن برلماني أو رئاسي. وذكرت المحكمة أن هذه الانتهاكات سبق توثيقها في قضايا أخرى مثل “Baş” ضد تركيا و”Turan” وآخرون ضد تركيا، مؤكدةً أن إجراءات الاحتجاز لم تتوافق مع القانون المحلي أو الاتفاقية الأوروبية.
تداعيات الحكم: انتهاكات ممنهجة
أكدت المحكمة أن محاولة الانقلاب خلقت ظروفًا استثنائية، لكن هذا لا يبرر الاعتقالات غير القانونية. وقالت في حكمها: “على الرغم من أن اعتقال المتضررين جاء بعد وقت قصير من محاولة الانقلاب—التي أدت إلى إعلان حالة الطوارئ—إلا أن هذا الإجراء لم يكن ضروريًا بشكل صارم وفقًا لمقتضيات الوضع.”
استمرار إدانة تركيا دوليًا
يأتي هذا الحكم ضمن سلسلة من القرارات التي تدين تركيا بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق القضاة والمدعين العامين وسائر المسؤولين الحكوميين عقب محاولة الانقلاب. حتى الآن، أيدت المحكمة الأوروبية أكثر من 1000 طعن من قبل قضاة ومدعين عامين ضد احتجازهم قبل المحاكمة.
منظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشيونال، وثقت انتهاكات واسعة النطاق في تركيا، شملت الاعتقالات التعسفية والاحتجاز المطوّل قبل المحاكمة والملاحقات ذات الدوافع السياسية.
من بين المتضررين في هذه القضية القاضي السابق هاشيم غوني، الذي حُكم عليه بالسجن 10 سنوات. ابنه ناهت إمره غوني، البالغ من العمر 26 عامًا، انتحر في أكتوبر 2022 بعد أن قفز من برج غلطة في إسطنبول نتيجة الضغوط النفسية الناجمة عن اعتقال والده.
تركيا تحت مجهر المحكمة الأوروبية
تتصدر تركيا قائمة الدول التي تواجه قضايا أمام المحكمة الأوروبية، لا سيما فيما يتعلق بحرية التعبير والاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة. كما أن رفض الحكومة التركية الامتثال لقرارات المحكمة أدى إلى اتخاذ إجراءات دولية ضدها، أبرزها إطلاق مجلس أوروبا إجراءات ضد تركيا في 2022 بسبب عدم تنفيذها حكم الإفراج عن الناشط الحقوقي عثمان كافالا، وهو نزاع لا يزال مستمرًا حتى اليوم.

