أعلن العراق استئناف تصدير كميات محدودة من النفط الخام بواقع 250 ألف برميل يومياً عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة تعكس محاولة عاجلة للتكيّف مع اضطرابات إقليمية غير مسبوقة أثّرت بشكل مباشر على قدراته التصديرية.
هذا التطور يأتي عقب تراجع حاد في إنتاج العراق وصادراته نتيجة تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد الشريان الرئيسي لتدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية.
هرمز خارج الخدمة: ضربة قاسية لصادرات العراق
قبل اندلاع الحرب الإقليمية في أواخر فبراير 2026، كان العراق يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير نحو 3.5 ملايين برميل يومياً من حقول البصرة الجنوبية عبر مضيق هرمز. ومع إغلاق إيران للمضيق أمام معظم الدول، تعطّلت هذه المسارات الحيوية، ما وضع الاقتصاد العراقي أمام تحدٍ وجودي نظراً لاعتماد الموازنة العامة بنسبة تقارب 90% على عائدات النفط.
هذا الإغلاق لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي أعادت رسم خريطة تدفقات الطاقة في المنطقة، ودفعت الدول المنتجة – وفي مقدمتها العراق – إلى البحث عن بدائل سريعة، وإن كانت محدودة القدرة.
كركوك تعود إلى الواجهة: تشغيل محطة سارلو
في هذا السياق، أعلنت شركة نفط الشمال بدء تشغيل محطة الضخ في سارلو، ما أتاح استئناف نقل نفط كركوك نحو ميناء جيهان بطاقة أولية تبلغ 250 ألف برميل يومياً.
ويمثّل هذا الخط الشمالي خياراً استراتيجياً بديلاً، وإن كان أقل قدرة من المسار الجنوبي، إلا أنه يكتسب أهمية مضاعفة في ظل القيود المفروضة على الملاحة البحرية في الخليج.
اتفاق مع إقليم كردستان: تسوية مؤقتة لمعضلة مزمنة
استئناف التصدير عبر الشمال لم يكن ممكناً دون التوصل إلى تفاهم مع إقليم كردستان العراق، الذي تمر عبر أراضيه البنية التحتية لخط الأنابيب الممتد إلى تركيا.
وقد جاءت هذه الخطوة بعد مفاوضات طويلة، حيث اشترطت سلطات الإقليم اتخاذ مجموعة من الإجراءات قبل الموافقة على إعادة تشغيل الخط. وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم بدء تشغيل محطة سارلو في ساعات الصباح الأولى، إيذاناً بعودة التدفقات النفطية نحو جيهان.
بدائل محدودة وضغوط مستمرة
رغم هذا التقدم، يبقى الخيار الشمالي محدود السعة مقارنة بحجم الصادرات التي كان العراق يضخها عبر الجنوب. كما أن الاعتماد على مسار واحد بديل يضع بغداد أمام تحديات لوجستية وسياسية، خاصة في ظل تعقيدات العلاقة مع أربيل واستمرار التوترات الإقليمية.
وفي موازاة ذلك، تواصل الحكومة العراقية مساعيها لإيجاد حلول إضافية، بما في ذلك التواصل مع إيران لمحاولة تأمين مرور جزئي لناقلاتها عبر مضيق هرمز، رغم القيود الصارمة المفروضة حالياً.
تداعيات أوسع: إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة
إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، لا يهدد العراق وحده، بل يعيد تشكيل موازين الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، تتحول خطوط الأنابيب البرية – ومنها المسار العراقي التركي – إلى بدائل استراتيجية، لكنها لا تزال عاجزة عن تعويض الفاقد بالكامل.
هذا الواقع يضع العراق أمام معادلة معقدة: الحفاظ على تدفق إيراداته النفطية من جهة، والتكيف مع بيئة إقليمية متقلبة تعيد تعريف أمن الطاقة من جهة أخرى.
خلاصة
استئناف التصدير عبر جيهان يمثل حلاً إسعافياً لا يعوّض خسائر هرمز، بل يكشف هشاشة البنية التصديرية العراقية أمام الأزمات الجيوسياسية. في ظل استمرار التصعيد الإقليمي، يبقى العراق عالقاً بين قيود الجغرافيا وضغوط السياسة في معركة تأمين نفطه للأسواق العالمية.

