في خضم النقاشات المستمرة حول تداعيات الانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا، تعود شهادات من داخل حزب العدالة والتنمية لتسلّط الضوء على لحظات حاسمة سبقت استفتاء عام 2017. وفي هذا السياق، نقلت الكاتبة التركية أليف شاكر حواراً مع وزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل غوناي، يكشف عن قراءة نقدية من داخل التجربة نفسها.
غوناي، الذي كان من أبرز الأسماء داخل الحزب في مراحله الأولى، قدّم تقييماً صريحاً لطبيعة التحول السياسي، معتبراً أن لحظة الاستفتاء كانت قابلة للتغيير لو توفرت إرادة داخلية كافية.
رسالة تحذير مبكرة: نداء لم يُستجب له
قبل أيام قليلة من إجراء الاستفتاء الدستوري في ربيع 2017، كتب غوناي رسالة مفتوحة موجّهة إلى رفاقه داخل الحزب الحاكم، عبّر فيها عن قلق عميق من مآلات النظام الجديد.
في تلك الرسالة، التي وصفها بأنها كُتبت بـ”حزن داخلي عميق”، حذّر من أن النظام المقترح سيؤدي إلى تركيز السلطات في يد واحدة بشكل غير مسبوق، وإضعاف دور المؤسسات التمثيلية المنتخبة، وتضييق المجال السياسي وتقليص التعددية، وتحويل منصب رئاسة الجمهورية من موقع جامع إلى موقع منحاز، وتراجع الشفافية والرقابة لصالح إدارة أكثر انفرادية، فضلا عن انتقال البلاد نحو بنية حكم أكثر هشاشة وقابلية للتقلب.
وأكد أن هذه التحولات لن تقود إلى تعزيز قوة الدولة كما كان يُروّج، بل إلى زيادة هشاشتها على المدى المتوسط والبعيد.
الرهان على الداخل: مناشدة “الضمير الحزبي”
لم يوجّه غوناي خطابه إلى المعارضة، بل ركّز على ما وصفه بـ”التيار الديمقراطي” داخل حزب العدالة والتنمية نفسه.
وأوضح أن المعارضة، في تقديره آنذاك، لم تكن تمتلك القدرة الكافية لإيقاف هذا التحول، وأن المسؤولية الحقيقية كانت تقع على عاتق شخصيات داخل الحزب تؤمن بالديمقراطية والتعددية وسيادة القانون.
وقد دعا هؤلاء إلى تبني موقف علني، هادئ لكنه حازم، يقوم على رفض التعديلات الدستورية والدفاع عن التوازن المؤسسي في الحكم.
لحظة الحسم: ماذا لو تحرك “عشرة فقط”؟
في حديثه الهاتفي مع الكاتبة أليف شاكر، قدّم غوناي خلاصة لافتة لما يعتبره “فرصة ضائعة”.
يرى أن خروج عدد محدود من أعضاء الحزب، لا يتجاوز عشرة أشخاص، بموقف علني رافض خلال مرحلة الاستفتاء، كان كفيلاً بإحداث فارق حاسم.
وبحسب تقديره، فإن المشكلة لم تكن في غياب الاعتراض داخل الحزب، بل في بقائه ضمن الدوائر المغلقة وعدم تحوله إلى موقف سياسي معلن.
ويضيف أن الاكتفاء بردود فعل غير معلنة، أو تحفظات داخلية، سمح بتمرير التعديلات دون مقاومة حقيقية، ما فتح الباب أمام تكريس نمط حكم أكثر تركيزاً للسلطة.
السياق الفكري: صمت النخب القانونية
في السياق ذاته، أشارت أليف شاكر في مقالها إلى أن عدداً محدوداً جداً من الأكاديميين القانونيين تصدوا علناً للنظام الرئاسي المقترح أ نذاك.
وتلفت إلى أن معظم النخب الأخرى التزمت الصمت، وهو ما اعتُبر عاملاً إضافياً ساهم في تمرير التعديلات دون نقاش مجتمعي واسع.
ما بعد 2017: تحولات وانشقاقات
تشير قراءة غوناي إلى مفارقة لافتة، حيث إن عدداً من الشخصيات التي التزمت الصمت خلال الاستفتاء، اتخذت لاحقاً مواقف نقدية أو حتى انفصلت عن الحزب.
غير أن هذه التحولات جاءت بعد تثبيت النظام الجديد، ما جعل تأثيرها محدوداً في تغيير المسار.
بين القرار السياسي والفرص الضائعة
تكشف هذه الشهادة عن إشكالية أعمق في بنية القرار السياسي، تتعلق بدور الفاعلين الداخليين في لحظات التحول الكبرى.
يرى غوناي أن التحولات الجذرية لا تُحسم فقط عبر التوازنات بين السلطة والمعارضة، بل أيضاً عبر مواقف الأفراد داخل مراكز القرار.
كما تطرح هذه القراءة تساؤلات حول حدود الانضباط الحزبي مقابل المسؤولية الأخلاقية وتأثير الصمت السياسي في تمرير تغييرات هيكلية وطبيعة العلاقة بين الشرعية الانتخابية والتوازن المؤسسي.
تطورات سياقية حديثة
في السنوات الأخيرة، تصاعدت النقاشات داخل تركيا حول فعالية النظام الرئاسي، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والتحديات السياسية.
وتزايدت الدعوات من أطراف مختلفة لإعادة النظر في توزيع السلطات، وتعزيز آليات الرقابة، بما يعيد التوازن بين المؤسسات ويحد من التركز الشديد للقرار.

