ديناميات جديدة في القضية الكردية
شهدت الأشهر الأخيرة تحولات مفصلية في القضية الكردية بمنظورها الإقليمي. سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر الماضي قلب معادلة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وفتح الباب أمام تواصلها مع أكراد العراق وتركيا.
إلى جانب ذلك، أعلن عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون مدى الحياة في جزيرة إمرالي، غرب تركيا، لمبادرةتسليم السلاح وحل الحزب، مما أتاح لأكراد تركيا فتح قنوات مع نظرائهم في العراق وسوريا.
دور تولاي حاتم أوغلاري: وسيطة على خط النار
تبرز في المشهد السياسي تولاي حاتم أوغلاري، الرئيسة المشاركة لحزب الشعوب والمساواة والديمقراطية التركية العلوية ذات الجذور العربية، التي استطاعت كما توصف في صحيفة «الشرق الأوسط» الجمع بين الكاريزما والبساطة والتواصل الشعبي.
في مقابلة مع الصحيفة، قالت أوغلاري إنها من إسكندرون، التي كانت جزءًا من سوريا حتى عام 1937 قبل أن تضمها تركيا، مشيرة إلى أنها ترى في أصولها العلوية العربية جزءًا من ثراء هويتها. اليوم، تلعب أوغلاري دورًا رئيسيًا في الوساطة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني في لحظة قد تكون تاريخية.
مبادرة أوجلان: نزع السلاح مقابل الضمانات
في 27 فبراير الماضي، نقل ممثلو حزب الشعوب والمساواة والديمقراطية عن أوجلان دعوته لتسليم السلاح وحل الحزب. جاء ذلك بعد تصريح من دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف أردوغان، عرض فيه صفقة لإطلاق سراح أوجلان مقابل إنهاء التمرد.
أوضحت أوغلاري لـ«الشرق الأوسط» أن «أي مؤتمر لنزع السلاح يتطلب وقف العمليات العسكرية والقصف الجوي وإنشاء بنية تحتية تمكّن أوجلان من التواصل مع حزبه».
اضطرابات سياسية في إسطنبول
في مارس الماضي، اضطرت أوغلاري لقطع مشاركتها في احتفالات النوروز في ديار بكر للتوجه إلى إسطنبول بعد اعتقال رئيس بلديتها أكرم إمام أوغلو بتهم الفساد والتعاون مع حزب العمال الكردستاني.
بحسب «الشرق الأوسط»، كان حزبها حريصًا على عدم استفزاز أردوغان تفاديًا لتعطيل الوساطة، لكنها اختارت الوقوف ضد الاعتقال، معتبرة أن «السياسات القمعية ستمتد لكل تركيا إذا لم تتحرر ديار بكر وماردين».
نوروز هادئ ومحادثات حذرة
للمرة الأولى، كانت ديار بكر أكثر هدوءًا من إسطنبول يوم نوروز، لكن الاحتفالات حملت رسالة رمزية قوية ببث مقاطع قديمة لأوجلان. أشارت «الشرق الأوسط» إلى أن غالبية الناشطين الأكراد يشعرون بالتفاؤل الحذر، مع إدراكهم لتاريخ فشل محادثات سابقة في 2009-2011 و2013-2015.
تجاذبات عسكرية وسياسية
رغم مبادرة أوجلان، شنت تركيا حملة عسكرية في شمال العراق، حيث ألقى الطيران منشورات تدعو مقاتلي الحزب للاستسلام. بالمقابل، أرسل حزب العمال الكردستاني رسالة مبطنة في 28 أبريل بأن مؤتمره لن ينعقد قبل الإفراج عن أوجلان.
وبحسب «الشرق الأوسط»، يطالب الأكراد بضمانات قانونية وديمقراطية معتبرين أن قضايا الديمقراطية وحقوق الأكراد مترابطة.
انعكاسات إقليمية
أدت التحركات التركية-الكردية إلى تفاعل في الإقليم، إذ حضر ممثلو مسعود ونيجيرفان بارزاني احتفالات النوروز في آمد، كما زار وفد من حزب الشعوب والمساواة والديمقراطية الإدارة الذاتية في الرقة وقامشلي.
تقول أوغلاري للصحيفة إنه «لا يعقل أن تسعى أنقرة للسلام مع الأكراد داخل حدودها فيما تعتبر أكراد سوريا أعداء»، مشيرة إلى أن غياب نموذج عادل في دمشق يعرقل وحدة سوريا. وتوقعت أن تسعى أنقرة لتكرار نموذج كردستان العراق مع أكراد سوريا.
مأزق أردوغان: القوة بدل الديمقراطية
ترى أوغلاري في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن أردوغان يعتمد حاليًا على خطاب سلطوي أكثر من ذي قبل، مستخدمًا الاعتقالات لإعادة تشكيل المشهد السياسي، لكنه يبقى الطرف الأقوى القادر على تحديد مسار المفاوضات.
ومع ذلك، تتمسك أوغلاري بالأمل قائلة: «علينا استغلال كل فرصة لتحقيق سلام دائم، فهذا المسار قادر على إرساء الاستقرار والانفتاح».

