في خطوة مثيرة للجدل، كشف السفير الأمريكي الأسبق في دمشق روبرت فورد، بالصوت والصورة، عن مشاركته في جهود أوروبية تهدف إلى إعادة تأهيل أحمد الشرع، المعروف بـ”أبو محمد الجولاني”، زعيم هيئة تحرير الشام، بهدف نقله من العمل المسلح إلى الحقل السياسي.
بحسب خبر نشرته قناة “سكاي نيوز” العربية التي تبث من أبو ظبي، قال فورد في محاضرة له إن اللقاءات مع الشرع بدأت عام 2023 واستمرت خلال 2024، وصولًا إلى لقاء ثالث عُقد في يناير 2025 داخل القصر الجمهوري في دمشق، بعد أن تولى الشرع الرئاسة رسميًا.
وأشار فورد إلى أنه تم اختياره ضمن فريق أوروبي من قِبل منظمة بريطانية غير حكومية متخصصة في حل النزاعات، لتقييم إمكانية انتقال الشرع من “عالم الإرهاب” إلى المجال السياسي الشرعي.
من الملاحقة إلى الرئاسة: صدمة دبلوماسية وواقعية سياسية
قال فورد إنه التقى الشرع لأول مرة في مارس 2023، وأضاف: “جلست بجانبه وهو يرتدي الزي العسكري وبلحية طويلة، وقلت له لم أكن لأتخيل يومًا أنني سأجلس بجانبك… لكنه كان هادئًا، ودار بيننا حوار حضاري”.
وفي اللقاء الأخير الذي جرى في دمشق، قال فورد إنه فوجئ عندما دخل القصر الرئاسي والتقى الشرع الذي قال له مبتسمًا: “أحب أن أفاجئك يا سيادة السفير”.
هذا التحول، بحسب مراقبين، يمثل واحدة من أكثر التحولات الدراماتيكية في تاريخ الصراع السوري، حيث انتقل الشرع من كونه أحد أبرز المطلوبين للولايات المتحدة خلال فترة قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، إلى رئيس يحكم دمشق بدعم ضمني من دوائر دولية.
السياق السياسي والدولي: هل الغرض هو تبرير رفع العقوبات؟
يتقاطع هذا الكشف مع تطورات سياسية لافتة، أبرزها إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مؤخرًا إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، وهو ما فتح باب التكهنات حول وجود صفقة غير معلنة بين واشنطن وشخصيات قيادية جديدة في دمشق.
وفي هذا الإطار، اعتبر علي جمال، مدير مجموعة الإعلام المستقلة، في مداخلة من بيروت أن ما كشفه فورد “ليس مفاجئًا”، وقال: “لدينا معلومات أن الاتصالات بدأت منذ 2020، وربما شملت مسؤولين أمنيين وصحفيين ومبعوثين غربيين، لكن روبرت فورد هو الوحيد الذي أعلن عنها بشكل صريح حتى الآن”.
دور بريطاني محوري تحت غطاء “المنظمات غير الحكومية”
في معرض تفسيره للدور البريطاني، أوضح علي جمال أن اختيار منظمة بريطانية بدلًا من جهة أمريكية رسمية كان مقصودًا، لتجنب أي إحراج دبلوماسي أو سياسي، قائلاً: “عند الانخراط في اتصالات غير رسمية مع شخصيات ذات خلفيات إشكالية، تلجأ العواصم الغربية عادة إلى منظمات غير حكومية ذات خبرة، خصوصًا أن البريطانيين لديهم باع طويل في التعامل مع الحركات الإسلامية منذ أكثر من قرن”.
الرجل المناسب للمرحلة؟ رؤية براغماتية أم إعادة تدوير؟
يرى جمال أن أحمد الشرع استطاع تقديم نفسه كشخصية قابلة للدمج في المشروع السياسي الجديد في سوريا، مستبعدًا أن يكون “رجل أي جهة”، مضيفًا: “الرجل لديه رؤية براغماتية، ونجح في تجاوز مرحلة كونه مطلوبًا للعدالة، إلى قيادة معقدة لدولة تمزقها الحرب. هذا بحد ذاته أمر يستحق التأمل، ويحظى بحب ودعم شعبي واسع، رغم ما يُثار من تحفظات على شخصه وتاريخه”.
ليلة الرياض التاريخية: تتويج الاتصالات السرّية؟
يرى مراقبون أن ما وصفه جمال بـ”ليلة الرياض التاريخية” – والتي تشير على ما يبدو إلى اجتماع دولي أو لقاء حاسم جرى في العاصمة السعودية – شكّل ذروة التنسيق الغربي حول ترتيبات ما بعد الأسد، وربما تضمّن مباركة ضمنية لوصول الشرع إلى السلطة، بعد أن تم تأهيله عبر سلسلة من اللقاءات والوساطات.

