دخلت السياسة الأميركية تجاه سوريا مرحلة جديدة مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، متضمنًا بندًا يقضي بإلغاء العقوبات المفروضة على دمشق بموجب ما عُرف بـ«قانون قيصر».
القرار أنهى سنوات من القيود الاقتصادية والمالية التي أثّرت بصورة مباشرة على مفاصل الحياة السورية، وقيّدت الاستثمار، وعمّقت الأزمة الإنسانية، وكرّست العزلة الاقتصادية.
هذا التحوّل لم يأتِ معزولًا عن السياق السياسي الإقليمي والدولي، بل جاء نتيجة مسار دبلوماسي طويل أعقب تغيّرات جوهرية داخل سوريا، وانتهى بإعادة تقييم جدوى استمرار العقوبات في ظل واقع سياسي جديد.
ترحيب سعودي ورسالة سياسية واضحة
سارعت المملكة العربية السعودية إلى الترحيب الرسمي بالقرار، معتبرة إلغاء «قانون قيصر» خطوة تتماشى مع تطلعات السوريين إلى الاستقرار والتنمية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة البناء. وأكدت وزارة الخارجية السعودية يوم الجمعة أن القرار لا يحمل بعدًا إنسانيًا فحسب، بل يعكس رؤية سياسية ترى في رفع العقوبات مدخلًا ضروريًا لإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي.
الرياض شددت على أن إنهاء العقوبات يمهّد لعودة سوريا التدريجية إلى محيطها العربي والدولي، ويُسهم في معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، بعيدًا عن منطق العقاب الجماعي الذي أرهق المجتمع السوري لسنوات.
دور سعودي فاعل في كواليس القرار
لم يقتصر الدور السعودي على الترحيب العلني، بل سبق القرار تحرّك دبلوماسي مكثف قادته الرياض على أكثر من مستوى. فقد عملت المملكة على التواصل المستمر مع الإدارة الأميركية، وتقديم مقاربة سياسية ترى أن العقوبات لم تعد أداة فعالة في ظل المتغيرات الجارية داخل سوريا.
كما لعبت السعودية دورًا محوريًا في تهيئة المناخ السياسي داخل واشنطن، والمساعدة في تمرير القرار عبر الكونغرس، عبر إبراز أهمية رفع العقوبات في توقيت يخدم الاستقرار الإقليمي ويمنع مزيدًا من الانهيار الاقتصادي، مع الحفاظ على التوازنات السياسية الحساسة في المنطقة.
من الإعلان في الرياض إلى التوقيع في واشنطن
وفق تقرير لصحيفة العرب الدولية، فإن المسار الزمني للقرار يعكس بوضوح عمق التنسيق السعودي–الأميركي. فقد أعلن الرئيس ترامب نيته رفع العقوبات خلال زيارته إلى الرياض في مايو 2025، في إشارة سياسية حملت دلالات تتجاوز الملف السوري، لتؤكد وجود تفاهم استراتيجي أوسع بين البلدين حول قضايا الاستقرار الإقليمي.
وجاء توقيع القانون لاحقًا تتويجًا لهذا المسار، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها نتيجة تلاقي المصالح السياسية، ورغبة مشتركة في الانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة إعادة التوازن.
سياق سوري جديد يفرض إعادة الحسابات
التحوّل الأميركي تزامن مع تغييرات داخلية عميقة في سوريا، أبرزها دخول قوى الثورة السورية إلى العاصمة دمشق، وإعلان نهاية حكم بشار الأسد الذي استمر منذ عام 2000، بعد عقود من حكم عائلة الأسد. هذا التطور شكّل نقطة مفصلية دفعت أطرافًا دولية، وفي مقدمتها واشنطن، إلى إعادة النظر في أدواتها السابقة.
في هذا السياق، برزت السعودية كطرف إقليمي قادر على قراءة التحولات واستثمارها سياسيًا، عبر الدفع باتجاه مقاربة جديدة تقوم على دعم الدولة السورية الجديدة بدل الإبقاء على منظومة العقوبات.
أبعاد اقتصادية مباشرة لرفع العقوبات
إلغاء «قانون قيصر» يفتح المجال أمام تحولات اقتصادية ملموسة داخل سوريا. فمن المتوقع أن تعود الاستثمارات الأجنبية تدريجيًا، وأن تُفعّل مشاريع كبرى كانت معلّقة بسبب القيود القانونية والمصرفية. كما يُنتظر أن تبدأ عملية إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، بما يشمل قطاعات الطاقة، والصناعة، والزراعة، والخدمات الأساسية.
هذه التطورات تحمل أثرًا مباشرًا على سوق العمل، وتحسين مستويات المعيشة، وتهيئة بيئة اقتصادية تسمح بعودة اللاجئين، وتخفيف الضغوط الاجتماعية التي تفاقمت خلال سنوات الحرب والعقوبات.
أبعاد سياسية ودبلوماسية أوسع
سياسيًا، لا يُنظر إلى رفع العقوبات باعتباره خطوة رمزية، بل كإشارة دولية إلى الاعتراف بالتحولات التي شهدتها سوريا. كما أنه يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات بين دمشق والدول العربية، ضمن إطار يوازن بين دعم الاستقرار واحترام المسار السياسي الداخلي.
السعودية حرصت، وفق رؤيتها المعلنة، على أن يكون رفع العقوبات جزءًا من مقاربة شاملة، لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى إعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي بطريقة تدريجية وآمنة.
نجاح دبلوماسي يعزّز مكانة الرياض
يرى محللون أن الدور السعودي في هذا الملف يمثّل نموذجًا لنجاح الدبلوماسية الإقليمية الفاعلة، حيث جمعت المملكة بين الضغط السياسي، والتواصل المباشر مع صناع القرار، والقدرة على لعب دور الوسيط المؤثر.
هذا النجاح يعكس خبرة الرياض في إدارة الملفات المعقدة، ويؤكد قدرتها على التأثير في سياسات القوى الكبرى بما يخدم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ويعزز موقعها كلاعب رئيسي في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
مرحلة جديدة لسوريا بدعم إقليمي
مع رفع العقوبات، تدخل سوريا مرحلة جديدة تتسم بفرص إعادة البناء واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وتبدو السعودية في قلب هذا المسار، عبر دعمها السياسي والدبلوماسي، وسعيها إلى تحويل التحول الدولي إلى مكاسب استقرار ملموسة على الأرض.

