لم تعد منطقة الساحل الإفريقي مجرد هامش جغرافي مضطرب، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر الساحات الدولية ديناميكية من حيث إعادة تشكيل موازين القوى. وقد شكّل الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023 نقطة انعطاف مفصلية، إذ لم يقتصر تأثيره على الداخل السياسي، بل فتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية، في ظل تراجع ملحوظ للدور الفرنسي وصعود لاعبين جدد، أبرزهم تركيا وروسيا.
في هذا السياق المعقد، تبرز شهادات الفاعلين المحليين كمدخل أساسي لفهم التحولات الجارية، ومن بينهم المعارض النيجري عمر المختار محمد الأنصاري، أحد قيادات حزب التجديد الديمقراطي والجمهوري، الذي يقدم رؤية نقدية مزدوجة: للسلطة العسكرية من جهة، وللتدخلات الدولية من جهة أخرى.
أزمة الشرعية والانقلاب: جذور الانقسام السياسي
في حوار مع الصحفي التركي جمالي أونال، يضع الأنصاري الأزمة السياسية في بلاده ضمن سياق أعمق من مجرد انقلاب عسكري، معتبرًا أن جذورها تعود إلى انتخابات 2021 التي شهدت، وفق روايته، فرض محمد بازوم من قبل سلفه محمدو إيسوفو، على حساب مرشح المعارضة المدعوم شعبيًا.
هذا التراكم، بحسب الأنصاري، قاد إلى إضعاف الثقة بالعملية الديمقراطية، قبل أن تأتي السلطة العسكرية لتزيد الوضع تعقيدًا عبر حل الأحزاب، بما في ذلك حزبه في ربيع 2025، ما أدخل البلاد في حالة فراغ دستوري وسياسي.
ويؤكد أن المخرج الحقيقي يكمن في العودة السريعة إلى نظام ديمقراطي قائم على انتخابات حرة، واحترام الدستور، وتعزيز الوعي الشعبي، بالتوازي مع إطلاق حوار وطني شامل.
الإرهاب في تصاعد: استغلال الفراغ الأمني والسياسي
تشهد النيجر تصاعدًا ملحوظًا في الهجمات الإرهابية، من بينها الهجوم الذي استهدف مطار ديوري هاماني الدولي مطلع 2026، والذي تبناه تنظيم داعش.
يرى الأنصاري أن هذه العمليات ليست معزولة، بل تعكس استراتيجية تقوم على تفكيك الدولة من الداخل عبر ضرب الاستقرار، وتقويض ثقة المواطنين بالمؤسسات، مستفيدة من الفراغ الأمني والتوترات الإقليمية.
ويطرح مقاربة بديلة تقوم على الدمج بين العمل الأمني الفعّال والتنمية الاقتصادية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، معتبرًا أن الحلول العسكرية وحدها أثبتت محدوديتها.
ثروات النيجر بين السيادة والتجاذبات الدولية
يشكل ملف اليورانيوم أحد أبرز أوجه الصراع الجيوسياسي في النيجر، خاصة في ظل النزاع القائم مع شركة أورانو الفرنسية.
ويكشف الأنصاري أن مخزونًا يقدّر بنحو ألف طن من اليورانيوم، بقيمة تقارب 300 مليون دولار، لا يزال مجمدًا في مطار نيامي، بسبب نزاع قانوني يخضع لقرارات المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.
أما المزاعم حول بيعه لروسيا، فيؤكد أنها غير مثبتة حتى الآن، مشددًا على ضرورة إدارة الموارد الطبيعية بشفافية، وضمان توجيه عائداتها لصالح الشعب بعيدًا عن التوظيف السياسي.
تحالف الساحل: بين الطموح العسكري وحدود الواقع
برز تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كإطار جديد لإعادة تنظيم الأمن الإقليمي. وقد نجح التحالف في تشكيل قوة عسكرية مشتركة قوامها نحو خمسة آلاف جندي، إلى جانب إطلاق مشاريع اقتصادية وإعلامية مشتركة.
ورغم هذه الخطوات، يشير الأنصاري إلى تحديات كبيرة تواجه التحالف، أبرزها ضعف التنسيق وصعوبة إدارة العلاقات مع الدول المجاورة، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي يتطلب عودة الحكم المدني، وليس فقط التعاون العسكري.
كما لا توجد حتى الآن مؤشرات جدية على توسيع التحالف ليشمل دولًا جديدة، في ظل تركيزه الحالي على تعزيز تماسكه الداخلي.
التحولات الدولية: تراجع فرنسا وصعود قوى جديدة
شهد النفوذ الفرنسي في الساحل تراجعًا حادًا منذ انقلاب 2023، حيث تم سحب القوات الفرنسية وتأميم بعض المناجم، في خطوة تعكس رغبة نيامي في استعادة السيادة على مواردها.
في المقابل، تتزايد أدوار قوى أخرى، مثل تركيا التي عززت حضورها عبر التعاون العسكري والتقني، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، إلى جانب روسيا التي تسعى إلى توسيع نفوذها الأمني.
ويعكس التغير في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة عام 2026 محاولة لإعادة التموضع، مدفوعة بمصالح تتعلق بالمعادن الاستراتيجية ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن مواجهة النفوذ الروسي.
تركيا في الساحل: شريك صاعد أم عامل إشكالي؟
ينظر الأنصاري إلى الدور التركي بقدر من التحفظ، رغم الإقرار بأهميته المتزايدة. فبينما يشمل التعاون مجالات التدريب العسكري والتكنولوجيا الدفاعية، يحذر من أن الانخراط الوثيق مع السلطات العسكرية قد يعيق الانتقال الديمقراطي إذا لم يُربط بإصلاحات سياسية حقيقية.
كما يثير انتقادات حادة لاستخدام الطائرات المسيّرة التركية في نزاعات داخلية، معتبرًا أن ذلك يعكس تغليب البراغماتية السياسية على مبادئ حقوق الإنسان.
العلاقات الإقليمية: شبكة معقدة من التوازنات
على المستوى الإقليمي، تشهد علاقات النيجر مع الجزائر تحسنًا ملحوظًا، مدفوعة بمصالح مشتركة في الأمن والطاقة، خاصة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
أما العلاقات مع ليبيا، فتظل هشة بسبب الانقسام الداخلي وقضايا الهجرة.
وفي تشاد، يستمر التعاون الأمني، بينما تحافظ نيجيريا على علاقات تقليدية قوية رغم التحديات.
في المقابل، تشهد العلاقات مع بنين توترًا واضحًا.
قراءة في جذور العنف: ما وراء نظريات المؤامرة
يرفض الأنصاري تحميل فرنسا مسؤولية مباشرة عن تصاعد الإرهاب، معتبرًا أن الأسباب الحقيقية تكمن في ضعف مؤسسات الدولة، وانشغال الجيوش بالسياسة، وغياب التنمية، إلى جانب الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوى الدولية.
ويؤكد أن معالجة هذه الظواهر تتطلب بناء دولة ديمقراطية قوية، وتعزيز التعاون الإقليمي، بدلًا من الانجرار وراء تفسيرات تبسيطية.

