كان التقدير الأولي أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لن تستغرق سوى أسابيع قليلة. غير أن مرور أكثر من أربعين يوماً كشف مساراً مختلفاً تماماً؛ دمار واسع، وخسائر بشرية كبيرة، وتعقيد متزايد في المشهد الإقليمي، دون حسم واضح.
بحسب الكاتب والسياسي الكردي في تركيا ألطان طان، لم تحقق الحسابات الأولية أهدافها، بل أفرزت نتائج معاكسة، أبرزها تماسك الداخل الإيراني بدل تفككه.
رهان الإسقاط السريع للنظام الإيراني
بُنيت الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية على فرضية واضحة: توجيه ضربات مركزة للبنية الحيوية في إيران، وتصفية قيادات مؤثرة، وإحداث حالة من الفوضى تؤدي إلى انهيار النظام.
غير أن هذه المقاربة لم تنجح حتى الآن. فعوضاً عن الانقسام، ظهر نوع من التماسك الداخلي، حيث تقاربت مواقف الموالاة والمعارضة في مواجهة التهديد الخارجي، وهو ما أضعف سيناريو “الانهيار السريع”.
الجذور التاريخية: الأمن الإسرائيلي كأولوية استراتيجية
في تحليل نشرته النسخة التركية لموقع “إنديبنديت” البريطاني، يربط ألطان طان هذه الحرب بسياق تاريخي أوسع، يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، واضعاً هدف إقامة دولة يهودية في فلسطين.
منذ ذلك الحين، تطورت الاستراتيجية الإسرائيلية حول مبدأ أساسي: ضمان الأمن عبر منع ظهور قوى إقليمية قادرة على تهديدها.
هذا المنطق، وفق التحليل، يجعل من إضعاف الدول المحيطة هدفاً دائماً، سواء عبر الحروب المباشرة أو النزاعات غير المباشرة.
إعادة تشكيل الإقليم: تفكيك القوى الصاعدة
يرى طان أن ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية يندرج ضمن هذا الإطار: الحرب العراقية-الإيرانية التي استنزفت الطرفين لسنوات طويلة، وتدمير البنية السورية خلال أكثر من عقد من الصراع، واستهداف قوى وشخصيات مؤثرة في المنطقة عبر عمليات نوعية.
في هذا السياق، تُطرح إيران كهدف رئيسي في المرحلة الراهنة، فيما تبقى تركيا – وفق التحليل – هدفاً مؤجلاً يرتبط بمدى قوتها الداخلية واستقرارها.
نتنياهو بين الأزمة الداخلية والحرب الخارجية
يشير ألطان طان إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واجه قبل الحرب أزمة سياسية داخلية حادة، مع احتجاجات واسعة واتهامات بالفساد.
اندلاع المواجهات منح حكومته فرصة لإعادة ترتيب الداخل، وتعزيز التماسك السياسي مؤقتاً.
كما ساهم التصعيد في نقل مركز الاهتمام من الأزمات الداخلية إلى التهديدات الخارجية.
غزة كنقطة تحول
يُبرز التحليل أن الهجوم الذي نفذته حركة حماس شكّل نقطة مفصلية، حيث أدى إلى تصعيد واسع النطاق أفضى إلى مقتل عدد كبير من الإسرائيليين، بينهم مدنيون، ورد عسكري إسرائيلي واسع النطاق في غزة، سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين وتدمير واسع للبنية التحتية.
هذا التصعيد، وفق طان، مهّد لتوسيع نطاق العمليات باتجاه إيران وحلفائها في المنطقة.
نتائج الحرب: خسائر متعددة الأطراف
على مستوى النتائج، لا يرى طان أن أي طرف حقق انتصاراً حاسماً: فإيران
تواجه أضراراً كبيرة في بنيتها التحتية، وستحتاج سنوات طويلة لإعادة الإعمار، مع استنزاف اقتصادي واضح.
ودول الخليج تحمّلت أعباء مالية إضافية، سواء عبر دعم مباشر أو صفقات تسليح، في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.
والولايات المتحدة تكبدت كلفة اقتصادية وسياسية، مع تراجع صورة قدرتها على حسم النزاعات بسرعة.
رغم تحقيق مكاسب تكتيكية، إلا أن إسرائيل كذلك تعرضت لضغوط داخلية وخارجية، ولم تحقق أهدافها الاستراتيجية بالكامل، وفق تحليل طان.
المجتمع الإسرائيلي: تحولات داخلية مقلقة
يلفت ألطان طان إلى تحول مهم داخل المجتمع الإسرائيلي، يتمثل في تراجع الحافز الأيديولوجي لدى الأجيال الجديدة.
فبعد عقود من بناء الهوية على سرديات تاريخية مؤلمة، بدأت أجيال جديدة تبحث عن الاستقرار والرفاه، بعيداً عن أجواء الحرب المستمرة.
هذا التحول انعكس في تزايد الرغبة في الهجرة العكسية، وتقارب أعداد المهاجرين والمغادرين وتراجع جاذبية الاستقرار في بيئة أمنية مضطربة. ويُعد هذا التوجه، وفق التحليل، أحد أكبر التحديات الاستراتيجية لإسرائيل.
صراع الرؤى: بين التصعيد والحل السياسي
داخل إسرائيل نفسها، يبرز انقسام واضح: تيار يدفع نحو استمرار النهج الأمني الصارم وآخر يدعو إلى حلول سياسية، أبرزها حل الدولتين.
كما يشير طان إلى أن رفض بعض الفصائل الفلسطينية لهذا الحل في مراحل سابقة ساهم في تعقيد المشهد، رغم تنامي القناعة اليوم بضرورة تسوية سياسية.
أين تتجه المنطقة؟
يرى ألطان طان أن الحرب لم تصل إلى نهايتها بعد، وأن مسارها ما زال مفتوحاً على عدة احتمالات، منها استمرار الاستنزاف دون حسم، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وعودة الصراعات إلى ساحات أخرى مثل سوريا.
وفي كل الأحوال، فإن التوازنات التي ستنتج عن هذه الحرب ستحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

