أثار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جدلاً واسعاً بعد خطابه الأخير الذي خصّص فيه مساحة كبيرة للحديث عن غزة، مستخدماً لغة حادة في انتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فقد وصفه بأنه “غدار وكافر” وأكد أنّ “المجازر الجارية في فلسطين لا يمكن السكوت عنها”. غير أنّ هذا الخطاب، وفق قراءة الصحفي والمحلل السياسي التركي لفند جولتكين، يكشف عن مزيج من الحماسة الخطابية للاستهلاك الداخلي واستراتيجية انتخابية بعيدة المدى، أكثر مما يعكس قدرة فعلية على تغيير موازين الصراع.
لغة مثيرة للجدل
يشير جولتكين إلى إشكالية أعمق في طبيعة الخطاب الرئاسي؛ فالرئيس التركي، بحسبه، يتبنّى مفردات ذات طابع ديني-أيديولوجي مثل “الكافر” و”الغدّار”، وهو خطاب يقترب – في نظره – من لغة الحركات الراديكالية أكثر مما يعكس خطاب دولة تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية. ويعتبر جولتكين أنّ هذا الأسلوب يخدم إسرائيل أكثر مما يضرّها، إذ يمنحها ذريعة إضافية لتصوير تركيا كعدو مباشر، ويقوي حجتها أمام الغرب الذي يتجاهل غالباً الانتهاكات الإسرائيلية بدعوى “الدفاع عن النفس“.
بين غزة والانتخابات التركية
يشدد جولتكين على أنّ تصريحات أردوغان لا تحمل في جوهرها سوى “الخطاب الحماسي”، فتركيا – كما يقول – لم تقدّم دعماً ملموساً للفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر 2023، سوى التنديدات الدبلوماسية والدعاء. ويربط جولتكين بين هذه اللغة التصعيدية والاستعداد المبكر لانتخابات 2028، إذ يرى أنّ الرئيس التركي سيبني حملته على “مفهوم الأمن القومي” عبر تصوير إسرائيل كتهديد مباشر لتركيا، وربما حتى الدفع نحو أجواء مواجهة محدودة أو “استعراض صاروخي” لإذكاء مخاوف الشارع وتعزيز الالتفاف الشعبي حوله.
أزمة البقاء السياسي: البعد الداخلي للأزمة
في تحليله، يصف جولتكين أخطر أزمات تركيا اليوم بأنّها ليست في الاقتصاد أو التعليم أو استقلال القضاء، على أهميتها، بل في “إصرار السلطة على البقاء في الحكم بأي ثمن”. ويشير إلى أنّ كل ما تشهده البلاد من أزمات – من الانهيار الاقتصادي إلى انهيار استقلالية القضاء وتزايد الانقسام الاجتماعي – مرتبط مباشرة بسياسات تهدف لضمان استمرار النظام الحاكم. ويرى أنّ عمليات مثل “تعيين أوصياء على البلديات والمعارضة”، أو التدخلات في البورصة وسوق العملات، تمثل تكلفة باهظة تُدفع فقط لحماية موقع السلطة.
المخاطر على مكانة تركيا الدولية
يحذّر جولتكين من أنّ اعتماد أردوغان خطاباً شبيهاً بخطاب “حماس” أو “حزب الله” يضع تركيا في خانة الدول الراديكالية، ويجعلها هدفاً محتملاً للغرب في أي لحظة. ويضيف أنّ هذه اللغة تضر بفرص الاستثمار الأجنبي وتضعف ثقة المستثمرين المحليين، لأنّ الدول بحاجة إلى “لغة دبلوماسية متزنة” لا إلى خطاب شعاراتي يُقزّم صورة تركيا ويعرضها لعزلة أكبر. ويذكّر بأنّ الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، بدأ بالفعل بفتح نقاشات داخل الكونغرس حول علاقة أنقرة بحركة حماس، وهو ما قد يُستخدم لاحقاً كأداة ضغط خطيرة على تركيا.
بين الشعبوية والخسائر البنيوية
من وجهة نظر جولتكين، فإنّ أردوغان يسعى لتوظيف القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيته في الداخل، عبر رفع مستوى الخطاب الأمني والاقتراب من صورة “القائد الحامي” للأمة. لكنّ هذا الخيار، وفقاً له، يجعل البلاد تدفع أثماناً باهظة على مستوى الاقتصاد، والديمقراطية، والحريات. بل ويحول قضية “البقاء الوطني” إلى مجرد انعكاس لرغبة السلطة في الاستمرار، في وقت تتراجع فيه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بشكل خطير.

