أفاد المحلل السياسي التركي البروفيسور ممتازر توركونه بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواجه تحديات سياسية متزايدة في ظل افتقاده لدعم حقيقي من حلفائه وأنصاره، حيث تتبنى القوى الداعمة للسلطة استراتيجيات حذرة لحماية مستقبلها السياسي ضمن مشهد متغير.
استراتيجية تقويض المعارضة
وأشار توركونه إلى أن الخطاب السياسي الرسمي بات يعتمد على مصطلحات مثل “المزعوم” أو “الزائف” في وصف المواقف المعارضة، مستشهدًا بتصريحات رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية حول حملة المقاطعة التي أطلقتها المعارضة ضد القنوات الإعلامية الموالية للحكومة. وأوضح أن هذا الاستخدام يسعى إلى تقويض مصداقية المعارضة عبر التقليل من أهمية أفعالها وتحركاتها.
وأضاف توركونه أن مصطلح “المزعوم” أو “الزائف” استُخدم سابقًا في سياقات تتعلق بحزب العمال الكردستاني (PKK)، (حزب العمال الكردستاني المزعوم) ما منح المفاهيم المرتبطة به طابعًا تحقيريًا. وبيّن أن الخطاب السياسي لا يقتصر على نقل الحقائق بل يحمل أيضًا أبعادًا عاطفية تؤثر في الإدراك العام.
وفي سياق تحليله للمصطلح، شبّه توركونه مفهوم “المزعوم-الزائف” بمصطلح “pseudo” في اللغات الغربية، والذي يُستخدم للإشارة إلى الظواهر التي تحاول محاكاة مفاهيم علمية دون الالتزام بأسسها المنهجية، مستشهدًا بعلم التنجيم كمثال على العلوم الزائفة.
ورأى توركونه أن التكرار المستمر للمفاهيم السياسية غير المنطقية قد يرسخ قناعات معينة بين الجماهير رغم افتقارها للأسس الواقعية، مشيرًا إلى أن بعض الأنظمة التي تدعي الديمقراطية تمارس في الواقع سياسات استبدادية عبر تقييد حرية التعبير، والتأثير على استقلال القضاء، والتلاعب بالعدالة الانتخابية.
التحول إلى نظام سلطوي بعد 2016
وفيما يخص النقاش حول طبيعة نظام الحكم في تركيا، أوضح توركونه أن مصطلح “الديكتاتورية” لم يعد يُنظر إليه كإهانة، بل أصبح يعكس طبيعة الحكم المطلق لشخص واحد دون قيود حقيقية. ولفت إلى أن الأنظمة الديكتاتورية تتنوع بين السلطوية التي تعتمد على القوة المباشرة، والشمولية التي تفرض أيديولوجيا معينة.
ووفقًا لتحليله، فإن النظام التركي بعد عام 2013 سعى إلى فرض نموذج ديكتاتوري شمولي لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك بالكامل، بينما تسارعت محاولاته للتحول إلى نظام سلطوي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، ما أدى إلى تعديلات دستورية عززت صلاحيات السلطة التنفيذية،
وأشار توركونه إلى أن البيئة الدولية والاقتصاد المتعثر يشكلان عقبات أمام تحول تركيا إلى ديكتاتورية مكتملة الأركان، إلا أن استمرار الاعتقالات التعسفية والتدخلات السياسية في القضاء يعكسان ممارسات استبدادية واضحة. وأضاف أن فقدان النظام الحالي لسلسلة من الانتخابات منذ 2015، واعتماده المتزايد على دعم حزب الحركة القومية، يُظهر بشكل علني تراجع نفوذه، مما دفع الكاتب إلى وصف نظام أردوغان بـ”الدكتاتورية المزعومة-الزائفة”، مستعيرا منه ذلك الوصف الذي ظل يستخدمه لإهانة معارضيه والتقليل من شأنهم.
وأوضح أن الأنظمة الديكتاتورية غالبًا ما تعتمد على دعم عسكري قوي، لكن الجيش التركي لا يمكن أن يكون داعمًا لسلطة استبدادية، كما أن إنشاء ميليشيات مسلحة أمر غير ممكن في السياق التركي نظرًا لطبيعة المجتمع والمؤسسات العسكرية.
إمكانية التحول إلى مرحلة ديمقراطية جديدة
واعتبر توركونه أن هناك تزايدًا في المطالب الجماهيرية بتغيير النظام، مشيرًا إلى أن المعارضة رغم اختلافاتها أصبحت أكثر توحدًا في مواجهة السلطة، مما يجعل سقوط النظام الحالي مسألة وقت. وأضاف أن الأزمة الاقتصادية الحادة قد تدفع نحو انتخابات مبكرة، إذ لم يعد النظام قادرًا على إدارتها بشكل فعّال.
وفي ختام تحليله، أشار توركونه إلى أن النظام الحاكم قد يحاول تأجيل الانتخابات، لكنه في النهاية قد يجد نفسه مضطرًا للذهاب إلى انتخابات مبكرة باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة المتفاقمة، ما قد يمهد لمرحلة سياسية جديدة تتسم بمزيد من الديمقراطية والاستقرار.

