عقد البرلمان التركي يوم الجمعة جلسة طارئة خُصصت لمناقشة الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، وسط تصاعد الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، فيما لفت غياب الرئيس رجب طيب أردوغان عن الحضور الأنظار وأثار تساؤلات سياسية جديدة.
دعوة جماعية وتعليق الإجازة البرلمانية
الجلسة الاستثنائية جاءت بدعوة مشتركة من سبعة أحزاب ممثلة في البرلمان، شملت حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وحزب الديمقراطية والمساواة المقرّب من الأكراد، ومجموعة “المسار الجديد” التي تضم عدة أحزاب معارضة صغيرة، وحزب الرفاه الجديد ذي التوجه الإسلامي، وحزب العمال التركي، حزب العمل والحزب الديمقراطي.
وقد جرى تعليق عطلة البرلمان الصيفية التي بدأت في الحادي والعشرين من يوليو وكان من المقرر أن تستمر حتى الأول من أكتوبر، لإفساح المجال أمام هذه الجلسة.
مشهد رمزي ورسائل قوية
اتسمت الجلسة بأجواء رمزية لافتة، حيث وُضعت على مقاعد النواب أوشحة تحمل ألوان العلم الفلسطيني، وارتداها جميع أعضاء البرلمان خلال النقاش. وفي كلمته الافتتاحية، دعا رئيس البرلمان نعمان قورتولموش إلى تعليق عضوية إسرائيل في جميع المنظمات الدولية، مؤكداً أن ما ارتكبته في غزة “تجاوز حدود الإبادة الجماعية”. وأشار إلى أن عدد الضحايا تجاوز عشرات الآلاف، معظمهم من النساء والأطفال، مع تجديد التأكيد على دعم أنقرة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
المواقف الحكومية: قطع العلاقات التجارية وإغلاق الموانئ
وزير الخارجية هاكان فيدان كشف أمام النواب أن تركيا أوقفت جميع علاقاتها التجارية مع إسرائيل وأغلقت موانئها أمامها، مشدداً على أن بلاده اتخذت خطوات لم يجرؤ أي بلد آخر على القيام بها. كما اتهم إسرائيل باستخدام “التجويع كسلاح حرب” ومنع المساعدات الإنسانية، بهدف تهجير الفلسطينيين من القطاع.
أردوغان بين الغياب والانتقادات
ورغم أن الرئيس أردوغان ظل خلال الأشهر الماضية أحد أبرز الأصوات المهاجمة لإسرائيل، وذهب حد اتهامها بارتكاب “إبادة جماعية” وتشبيه حكومتها بالنازية، إلا أن غيابه عن الجلسة أثار انتقادات واسعة، خصوصاً في ظل اتهامات المعارضة له بالازدواجية بسبب استمرار بعض أشكال العلاقات التجارية مع إسرائيل حتى بعد إعلان الحظر في مايو 2024.
المعارضة: اتهامات بالعجز والتقصير
من أبرز المداخلات المعارضة ما قاله زعيم حزب “الخير“، مساوات ديرفيش أوغلو، الذي حمّل حكومة أردوغان مسؤولية العجز عن اتخاذ خطوات ملموسة ضد إسرائيل، مشيراً إلى أن جنوب أفريقيا، وليس تركيا، هي التي بادرت إلى رفع قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في ديسمبر 2023. وتساءل: “ألم يكن في تركيا محامون قادرون على رفع هذه الدعوى؟ وهل كانت هناك مقاومة داخلية حالت دون ذلك؟“.
كما انتقد ديرفيش أوغلو عدم مشاركة أنقرة في عمليات إسقاط المساعدات جواً إلى غزة، متسائلاً إن كان ذلك عجزاً فنياً أم غياباً للإرادة السياسية.
حلفاء أردوغان: حضور متناقض
ورغم اعتراضه السابق على عقد الجلسة، حضر زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الحليف الرئيسي لأردوغان، مؤكداً أن لا جديد يمكن إضافته بشأن “مأساة غزة”، في إشارة إلى موقفه المتحفظ إزاء الخطوات البرلمانية.
خلفية النزاع وأبعاد إنسانية متفاقمة
الهجوم الإسرائيلي على غزة بدأ عقب عملية نفذتها حركة “حماس” في السابع من أكتوبر 2023 أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص وأسر نحو مئتين وخمسين. ومنذ ذلك التاريخ، تقول وزارة الصحة في غزة إن أكثر من ستين ألف فلسطيني قُتلوا جراء القصف الإسرائيلي.
الأزمة الإنسانية بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ أعلنت الهيئة الدولية “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” في أغسطس الجاري عن تفشي المجاعة في أجزاء من محافظة غزة، حيث يعاني واحد من كل خمسة أسر من انعدام حاد في الغذاء يهدد بالموت جوعاً.
تقارير حقوقية جديدة
تزامناً مع هذه التطورات، أصدرت منظمتان حقوقيتان بارزتان في إسرائيل، “بتسيلم” و”أطباء من أجل حقوق الإنسان”، تقارير تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لتنضم بذلك إلى أصوات دولية ومنظمات أممية وخبراء قانونيين يطالبون بوقف ما وصفوه بالجرائم الجماعية وتحميل حلفاء إسرائيل الغربيين مسؤوليات قانونية وأخلاقية.

