قدم الكاتب والصحفي التركي أمره أوسلو، الذي سبق أن عمل أستاذاً في أكاديمية الشرطة بتركيا، تحليلا، مستندا إلى ما كشفته “ملفات إبستين”، زعم فيه أن التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن والقضاء منذ عام 2008 ضد الأذرع المختلفة لتنظيم “أرجنكون” قطعت الطريق أمام التوسع الإسرائيلي في الجهاز البيروقراطي، خصوصا المؤسسة العسكرية، لكن هذا المسار تغير بعد التصفيات التي جرت عقب محاولة الانقلاب الغامضة في 2016 وبدأت إسرائيل تسترد نفوذها القديم، وبالأخص في الحيش التركي.
لقد ساق أوسلو رؤية تحليلية معقّدة حول تداخل العوامل الإقليمية والاستخبارية التي – برأيه – أسهمت في تغيير موازين القوة بالمنطقة، وخصوصاً في مرحلة ما بعد 2012 وصولاً إلى ما بعد محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016. ربط أوسلو بين وثائق يقال إنها منسوبة إلى ما يُعرف بـ “ملفات إبستين”، وبين التطورات السياسية والعسكرية في تركيا والشرق الأوسط.
مدخل إلى الفرضية العامة
رأى أوسلو أن تركيا فقدت تدريجياً تفوقها الجوي والبحري في المنطقة لصالح إسرائيل، ويعتقد أن هذا التحوّل لم يكن نتيجة تطور طبيعي في موازين القوى، بل ثمرة سلسلة من عمليات تطهير عسكري واستبعاد نُخب داخل القوات المسلحة التركية بعد محاولة الانقلاب الغامضة جاءت – بحسب قوله – متوافقة مع مصالح استخباراتية إسرائيلية وأمريكية.
استند أوسلو في طرحه إلى وثيقة وصفها بأنها من “ملف إبستين”، ترجع إلى عام 2012، تحمل بداخلها مؤشرات – كما يقول – تربط بين نشاطات استخباراتية متعددة في الشرق الأوسط ودور تركيا في تلك الفترة، خصوصاً بعد تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية عقب حرب غزة الأولى.
خلفية الوثيقة وجدليتها
الوثيقة المشار إليها، المؤرخة في27 يناير 2012، موجّهة – حسب رواية أوسلو – من كاتب أميركي إلى جيفري إفشتاين، المعروف بعلاقاته مع دوائر سياسية واقتصادية نافذة. يصف أوسلو الرسالة بأنها تتضمّن تقييماً للوضع الإقليمي في ذلك الوقت، حيث ورد فيها – كما يذكر – توصيف حاد لحالة إسرائيل السياسية والعسكرية، مع إشارات إلى توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن وتزايد التوتر بين تركيا وإسرائيل على المستوى الشعبي والإعلامي.
قال أوسلو إن الوثيقة تحتوي على فقرة تتحدث عن قيام أجهزة الأمن والقضاء التركية “بتنظيف الجيش من عناصر على صلة طويلة الأمد بإسرائيل”، وهو ما ربط الكاتب بينه وبين القضايا العسكرية الشهيرة في تلك المرحلة وهي ملفات تنظيم “أرجنكون” الإرهابي وقضية “باليوز” و”القضية العسكرية في إزمير”، وكلها قضايا مرتبطة بما يسمى في تركيا “الدولة العميقة”، استمرت ما بين أعوام 2007 و2013، وأدت إلى اعتقال نحو 250 من كبار الضباط، لكن جميعهم خرجوا من السجن بموجب صفقة سياسية بينهم وبين حكومة أردوغان بعد محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 2016.
القضايا العسكرية كواجهة لصراع استخباري
وفق تحليل أوسلو، فإن هذه القضايا – التي عُرفت في الإعلام التركي كمحاكمات لضباط متهمين بالتآمر على الحكومة المنتخبة – كانت في عمقها جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل القوات المسلحة.
ورأى أوسلو أن شبكات داخل الجيش كانت تحافظ على علاقات وثيقة مع أجهزة استخبارات أجنبية، لا سيما الإسرائيلية، لكن التحقيقات المذكورة أفضت إلى إضعاف نفوذ الضباط الذين وقعوا في “فخاخ العسل الإسرائيلية” بشكل مؤقت. وزعم أوسلو أن حكومة أردوغان اتفقت مع هؤلاء الضباط المسجونين ونفذوا جميعا مؤامرة الانقلاب الفاشل في 2016، ومن ثم اتجهوا إلى تصفية عشرات الآلاف من الضباط وأجهزة الأمن والقضاء الذين نفذوا تلك العمليات والتحقيقات ضد الضباط المرتبطين بإسرائيل، وهو الأمر الذي النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسة العسكرية في تركيا.
من “ملف إبستين” إلى الجغرافيا الإقليمية
مضى أوسلو في الربط بين محتوى الوثيقة وما جرى في سورية، موضحاً أن التغيرات اللاحقة على الثورات العربية، وتصفية الضباط والبيروقراطيين “الوطنيين”، على حد وصفه، أتاحت لإسرائيل هامشاً أوسع للتحرك في المجالين الجوي والبحري، مستفيدة من حالة الاضطراب الإقليمي، بينما خسرت تركيا شبكة التأثير التي كانت تمتلكها حتى عام 2015.
ونوه أوسلو إلى أن مشاركة تركيا في برنامج مقاتلات F-35 كانت أحد مفاتيح التوازن مع إسرائيل، إلا أن الضباط المرتبطين بإسرائيل دفعوا حكومة أردوغان إلى شراء منظومة S-400 الروسية، مما تذرعت به واشنطن لإبعاد تركيا من هذا البرنامج، وهو مثّل، بحسب أوسلو، إحدى أهم النقاط التي سمحت لإسرائيل بالتحوّل إلى القوة الجوية المنفردة ذات التفوق الكامل في المنطقة.
الطيّارون والبحرية: الانكسار الداخلي
فسّر أوسلو محاولة الانقلاب في 2016 وما تلاها بوصفها لحظة قطيعة كبرى مع النخب العسكرية التي كانت تمثل “العمود الفقري التقني” للقوات المسلحة، مشيرا إلى أن تسريح عدد كبير من الطيارين المتمرّسين بدعوى الصلة بحركة الخدمة أو ما يسمى الكيان الموازي – يقدّر نسبته بتسعين بالمئة من القوة الجوية – أصاب المنظومة القتالية بشلل استراتيجي، وأن البحرية التركية بدورها عانت الانفصال عن مشاريعها السابقة في البحر المتوسط في مواجهة إسرائيل وقبرص واليونان.
وربط الكاتب بين هذه التطورات وبين ما جرى في ملفات الطاقة شرق المتوسط، حيث أصبحت إسرائيل واليونان وقبرص أصحاب اليد العليا في استغلال حقول الغاز الضخمة بفضل ضعف الموقف التركي بعد 2016.
قراءة في التفاعلات الإقليمية
أضاف أوسلو أن الوثيقة تصف سلوك إسرائيل آنذاك (2012) تجاه محيطها بأنه “دفاعي متوتر”، بينما كانت تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها في سورية ولبنان مستخدمة خطاباً إسلامياً جامعاً، ما شكّل منافسة رمزية وسياسية لتل أبيب.
لكنه رأى أن “هندسة داخلية تركية” (انقلاب 2016) أفضت إلى تفكيك كل المنجزات التي حققتها أنقرة في العقد الأول من القرن الحالي، وسمحت – من وجهة نظره – بعودة أنماط النفوذ القديمة داخل الجيش والإدارة، مع ميل واضح لمواءمة التوجه الإسرائيلي في ملفات أمن البحر المتوسط والعلاقات مع الغرب.
العلاقة بين الفساد السياسي والضغط الخارجي
توقف أوسلو أيضاً عند ملف رجل الأعمال رضا زرّاب الذي أدين لاحقاً في كل من تركيا والولايات المتحدة بتهمة تأسيس شبكة دولية لخرق العقوبات الدولية المفروضة على إيران، معتبراً أن ما كشف عنه من شبكة فساد مالي يشير إلى الطريقة التي استطاعت بها قوى إقليمية – مثل إيران وإسرائيل – ممارسة الضغط على الحكومة التركية. ويقول إن تلك الحالة من “الابتزاز السياسي” قادت أردوغان إلى البحث عن تحالفات جديدة مع قوى الجيش التي أعادت تشكيل نفسها بعد الانقلاب، حتى وإن كان ثمن ذلك فقدان المسار الديمقراطي وتآكل الأداء المهني للمؤسسة العسكرية.
انعكاسات داخلية وخارجية
أكد أوسلو أن ما حدث في النهاية لم يكن سوى إعادة تموضع شامل جعل من تركيا لاعباً هامشياً في الشرق الأوسط بعد أن كانت تمتلك تأثيراً موازياً لإسرائيل. وربط هذا المسار بطبيعة التحالفات التي أعقبت الانقلاب، حين وجد أردوغان نفسه – كما يعبّر – مضطراً للتفاهم مع التيارات القومية والعلمانية المتشددة التي كان يعارضها في السابق، لتتحول الدولة إلى نظام مغلق يهيمن عليه تحالف مصالح أمني – سياسي، بينما ابتعدت النخب المدنية والإصلاحية عن مواقع القرار.
البعد الإعلامي والتلاعب بالوثائق
اتهم أوسلو بعض وسائل الإعلام التركية – المقرّبة من السلطة – بإخفاء تفاصيل مهمة من الوثائق نفسها، مثل تاريخ الرسالة الأصلي (2012)، لتقديمها كأنها وثائق حديثة ترتبط بحملة التصفية الشاملة التي جرت بدعوى المشاركة في الانقلاب المزعوم مباشرة، لتقديم صورة معكوسة (مزورة) وكأن الحكومة التركية قامت بتصفية الضباط ذوي الصلة بإسرائيل، بينما الواقع أن الوثيقة تتحدث عن الأوضاع في 2016.
تركيا بين فخاخ الداخل وضغوط الخارج
في قراءة أوسع، رأى أوسلو أن تركيا وجدت نفسها في منتصف شبكة من الفخاخ المتقابلة:
من جهة، استُخدمت ملفات داخلية لتصفية حسابات سياسية وأمنية، ومن جهة أخرى، تحولت الساحة التركية إلى أداة ضمن صراع القوى الإقليمية الكبرى. هذه المعادلة – في نظره – جعلت من كل أزمة داخلية انعكاساً مباشراً لأجندات دولية، بحيث أصبح القرار الوطني ذاته ميداناً لاختبار الولاءات.
يخلص أمره أوسلو إلى أن الوثائق الجديدة تبرهن على أن ما جرى منذ عام 2012 لم يكن معزولاً عن شبكة استخباراتية وإقليمية متشابكة شاركت فيها أطراف تركية ودولية على حدّ سواء، وأن التحوّل من جيشٍ إقليمي قوي إلى جهازٍ مقيد الإرادة لم يكن صدفة بل ثمرة هندسة طويلة الأمد.
ودافع أن مستقبل تركيا الإقليمي سيظل رهناً بقدرتها على استعادة التوازن بين أمنها القومي واستقلال قرارها من جهة، وبين انخراطها في التحالفات الغربية والإقليمية من جهة أخرى.
تحليل أمره أوسلو يرسم صورة لتركيا تتقاطع فيها المصالح الأمنية الدولية مع الصراعات الداخلية على الجيش والسلطة، في مسار انتهى – كما يرى – بسيطرة شبكة نفوذ متحالفة مع الخارج. الوثائق التي يستند إليها تعكس علاقة معقّدة بين الفساد السياسي، والتلاعب الإعلامي، وحروب الاستخبارات في مرحلة ما بعد 2012.

