شهدت المنطقة تطوراً لافتاً مع إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) بدء سحب جميع قواته من الأراضي التركية إلى شمال العراق، في خطوة وُصفت بأنها الأهم منذ انطلاق عملية السلام بين أنقرة والحركة الكردية قبل عام.
الإعلان، الذي جاء في مراسم رمزية عند سفوح جبال قنديل، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار بين الدولة التركية والحركة الكردية، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة بداية سلام دائم أم مجرد هدنة مؤقتة في صراعٍ دام أربعة عقود وأودى بحياة عشرات الآلاف.
الانسحاب الميداني: مشهد رمزي في جبال قنديل
أعلن حزب العمال الكردستاني رسمياً تنفيذ قرار الانسحاب الكامل لقواته من داخل تركيا إلى قواعده في شمال العراق. وجاء البيان باللغتين الكردية والتركية في قرية نائية بجبال قنديل، حيث وقف خمسة وعشرون مقاتلاً – بينهم ثلاث قائدات ميدانيات – أمام صور الزعيم المعتقل عبد الله أوجلان.
ورغم عدم الإعلان عن العدد الإجمالي للمقاتلين المنسحبين، إلا أن التقديرات الأولية تشير إلى أن ما بين مئتين إلى ثلاثمئة عنصر سيغادرون الأراضي التركية في المرحلة الأولى. يمثل هذا الانسحاب تطبيقاً عملياً لقرار الحزب بإنهاء الكفاح المسلح الذي كان قد أُعلن في وقت سابق، إيذاناً بتحوّل استراتيجي نحو “النضال الديمقراطي” كخيار بديل للسلاح.
أنقرة: ترحيب مشروط وتأكيد على “تقدّم ملموس”
رحّبت الحكومة التركية بهذه الخطوة واعتبرتها “نتيجة ملموسة للتقدّم في عملية السلام”. وأكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم أن الانسحاب وإعلان التوجه نحو نزع السلاح يشكلان “تحوّلاً استراتيجياً يعكس إرادة سياسية حقيقية لإنهاء النزاع”.
هذا الموقف التركي يأتي في ظل جهود رسمية متواصلة لإعداد إطار قانوني ينظم المرحلة الانتقالية، ويتيح دمج العناصر السابقة في الحياة السياسية والمدنية، ضمن ما تسميه أنقرة “خطة المصالحة الوطنية”.
مطالب الحزب: حرية أوجلان شرطٌ لنجاح العملية
في المقابل، شدد حزب العمال الكردستاني على أن نجاح عملية السلام مشروط بالإفراج عن زعيمه عبد الله أوجلان، الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد في جزيرة إمرالي منذ عام 1999. وأكد ممثلو الحزب أن استمرار احتجازه في عزلة تامة يُعيق تقدم المفاوضات، باعتباره “صاحب المبادرة الأولى” في الدعوة إلى الحل السياسي.
ودعا القيادي الكردي البارز صبري أوك البرلمان التركي إلى اتخاذ خطوات تشريعية عاجلة تنظم وضع المقاتلين الذين يتخلّون عن السلاح، مطالباً بإقرار “قوانين خاصة بعملية السلام” تتجاوز مجرد العفو العام.
وأعرب أوك عن ضرورة أن تلتقي اللجنة البرلمانية المكلّفة بمتابعة العملية مباشرةً بأوجلان، “لأن الاستماع إليه هو المفتاح الحقيقي لتثبيت المسار السياسي”.
اللجنة البرلمانية وموقعها في العملية
تشرف لجنة برلمانية موسّعة تضم ثمانية وأربعين عضواً على صياغة التشريعات المرتبطة بمسار السلام، بما في ذلك بحث مستقبل أوجلان القانوني.
وقد أجرت اللجنة خلال العام الماضي لقاءات مع ممثلي حزب الشعوب الديمقراطي – الذي أعيد تنظيمه تحت اسم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، إلى جانب محامين وأطراف مدنية.
وفي تطور لافت، تمكّن أوجلان مؤخراً من لقاء محاميه للمرة الأولى منذ أربع سنوات، كما استقبل وفوداً برلمانية وعائلية في مناسبات متفرقة، ما اعتُبر مؤشراً على انفتاح رسمي نسبي تجاه التواصل معه في المرحلة الحالية.
التحركات السياسية: الحزب الكردي في الواجهة
يؤدي حزب المساواة والديمقراطية، ثالث أكبر كتلة في البرلمان التركي، دوراً محورياً في دعم مسار السلام، عبر تنسيق مباشر بين ممثليه في أنقرة وقيادات الحركة في شمال العراق. وقد أعلن الحزب عزمه إرسال وفد رفيع المستوى للقاء الرئيس رجب طيب أردوغان لمناقشة آليات تثبيت الهدنة ومتابعة الإجراءات القانونية الخاصة بالمعتقلين.
هذا التواصل السياسي يعيد إلى الواجهة تجربة “مسار الحلّ” الذي توقّف في عام 2015 بعد انهيار المفاوضات السابقة، ويعكس رغبة متبادلة في استئناف الحوار تحت مظلة مدنية ومؤسساتية أكثر وضوحاً.
أوجلان: الزعيم المعزول الذي يقود من السجن
رغم عزله المستمر منذ أكثر من عقدين، لا يزال عبد الله أوجلان يمسك بخيوط التأثير في القرار السياسي للحزب. وقد دعا في رسائله الأخيرة إلى التحوّل من الصراع المسلح إلى “نضال ديمقراطي من داخل النظام السياسي التركي”، مؤكداً أن “الحرية السياسية للأكراد لا يمكن أن تتحقق عبر السلاح بل عبر المشاركة المدنية”.
ويرى محللون أن هذه الرسائل ساهمت في تمهيد الطريق لقرار الانسحاب، بعد أن تراجعت القدرات العسكرية للحزب في الداخل التركي وتزايدت الضغوط الإقليمية عليه، خاصة بعد العمليات المشتركة بين تركيا والعراق في مناطق قنديل وسنجار.
تحليل السياق: بين فرصة السلام وهواجس الفشل
التحرك الأخير يُعدّ منعطفاً حاسماً في الصراع الكردي–التركي، لكنه لا يخلو من المخاطر؛ فغياب الثقة المتبادل، والانقسامات داخل الصف الكردي، والمواقف المتشددة داخل المؤسسة الأمنية التركية، جميعها عوامل قد تُهدّد استدامة العملية.
في المقابل، يعتقد مراقبون أن البيئة الإقليمية الحالية، خاصة مع انشغال أنقرة بجبهات أخرى في الشرق الأوسط، قد تدفعها إلى تفضيل التهدئة الداخلية لإعادة ترتيب أولوياتها السياسية والاقتصادية.
كما أن الانسحاب من تركيا إلى شمال العراق قد يُسهّل مراقبة تحركات المقاتلين ويُجنّب الطرفين خروقات ميدانية تُعيد الصراع إلى نقطة الصفر.

