جرت الانتخابات البرلمانية العراقية في نوفمبر 2025 وسط جو من الانقسام السياسي والتعب الشعبي المزمن من الأداء الحكومي والنخب التقليدية.
ففي حين دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى مقاطعة الانتخابات احتجاجاً على ما وصفه بـ«إعادة تدوير الطبقة السياسية نفسها»، خاض رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني السباق بكتلة تحمل اسمه «الإعمار والتنمية»، مدعوماً من أجنحة داخل الإطار التنسيقي الشيعي.
وعلى الرغم من توقعات أولية بانخفاض الإقبال بسبب دعوات المقاطعة، جاءت نسبة المشاركة الرسمية أعلى من المتوقع حيث تجاوزت 55%، ما عكس تراجعًا في الاستجابة الجماهيرية لنداءات الصدر، ووفّر شرعية أقوى لنتائج الاقتراع.
السوداني يرسخ موقعه والمالكي يتراجع
أظهرت النتائج الأولية أن كتلة السوداني تصدرت بفارق مريح عن أقرب منافسيها، مستفيدة من غياب التيار الصدري الذي كان يستحوذ تاريخياً على قاعدة جماهيرية واسعة في مدن الجنوب والوسط ذات الأغلبية الشيعية.
أما ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، فحقق نتائج أقل من توقعاته، رغم الحملة التي خاضها تحت شعار «استعادة هيبة الدولة».
هذا التراجع يعكس ميل الشارع الشيعي نحو نموذج أكثر توازناً بين الخطاب الأمني والبراغماتية الإدارية، وهو ما مثّله السوداني في عامين من حكمه عبر نهج أقل صدامية وأكثر تركيزًا على الخدمات والاستقرار.
بذلك، تحوّل السوداني من رئيس وزراء توافقي إلى زعيم سياسي فعلي داخل المعادلة الشيعية، وهي سابقة نادرة في عراق ما بعد 2003.
تراجع الصدر… بين الانسحاب التكتيكي وفقدان النفوذ
التيار الصدري لم يخسر مقاعد فقط — بل خسر زمام المبادرة أيضا؛ فبينما كان يُنظر إلى مقاطعته على أنها مناورة سياسية لتقويض شرعية الانتخابات، أظهرت النتائج أن الشارع العراقي تجاوز حالة “الانتظار الصدري”.
الناخبون الذين كانوا يشكلون الكتلة المترددة تحركوا نحو مرشحين محليين أو قوائم محسوبة على السوداني، مما كشف عن تآكل النفوذ التعبوي للصدر، خاصة في محافظات مثل ميسان والنجف وذي قار.
أما داخل الإطار التنسيقي، فقد وفّر غياب الصدر مساحة لإعادة هندسة التوازنات دون تهديد مباشر من قوة شعبوية منافسة.
الداخل العراقي بعد الانتخابات — نحو استقرار هادئ أم تسوية مؤقتة؟
النتائج تفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية معقدة لتشكيل الكتلة الأكبر، لكنها هذه المرة تدور حول شخصية رئيس الوزراء نفسه لا حول توازن الأحزاب. فالسوداني يمتلك الآن شرعية انتخابية وسياسية تمنحه قدرة تفاوضية أعلى مع بقية القوى الشيعية والكردية والسنية.
على المستوى الداخلي، يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة:
- تركيز أكبر على الاقتصاد والخدماتفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي.
- تهدئة أمنية نسبيةنتيجة غياب الاستقطاب الصدري – الإطاري.
- إعادة رسم العلاقة بين بغداد وأربيل، حيث يُنتظر من السوداني أن يستثمر فوزه لتعزيز التفاهمات مع الحزبين الكرديين.
- استمرار التوازن الدقيق بين النفوذ الإيراني والمطالب الوطنية، في ضوء محاولات السوداني الحفاظ على مسافة حذرة من كل الأطراف.
التداعيات الإقليمية — بغداد تعود لاعبًا وسط صراع المحاور
تأتي الانتخابات في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، مع تصاعد المواجهة في غزة، واستمرار التوتر بين واشنطن وطهران. ولذلك، فإن تمكّن السوداني من تثبيت موقعه يعني أن العراق سيواصل لعب دور الوسيط الميداني والسياسي بين ضفتي الإقليم:
- من جهة، يحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران عبر الإطار التنسيقي وقنوات الحشد الشعبي.
- ومن جهة أخرى، يحظى بقبول غربي نسبي، خصوصاً لدى واشنطن وباريس، التي ترى في السوداني «رئيس وزراء متزن» يمكن التعامل معه.
هذا التوازن يمنح العراق فرصة نادرة للعب دور الوسيط الإقليمي في ملفات الطاقة والتهدئة بين طهران والرياض، خصوصًا بعد إعادة تموضع السعودية في المشهد العراقي عبر مشاريع استثمارية مشتركة.
أثر النتائج على المحور الشيعي الإقليمي
يُنظر إلى فوز السوداني بوصفه انتصارًا للمدرسة الإيرانية الواقعية داخل العراق، أي تلك التي تفضّل إدارة النفوذ بهدوء عبر مؤسسات الدولة لا عبر ميليشيات الضغط الشعبي. أما المالكي، فخسارته تُعد خسارة لـ«المدرسة الصدامية» التي واجهت واشنطن مباشرة في العقد الماضي.
بالمقابل، فإن غياب الصدر أزال أحد أكبر مصادر القلق لإيران، لكنه في الوقت نفسه قلّل من «جرعة الاستقلال الوطني» التي كان يعبّر عنها الصدر في خطابه، وهو ما قد يُضعف التوازن الداخلي مستقبلاً إن لم يُترجم السوداني فوزه إلى مشروع وطني شامل.
نحو أي مستقبل تتجه بغداد؟
يمكن تلخيص المسار السياسي القادم في ثلاث فرضيات محتملة:
- الاستقرار الحذر:
ينجح السوداني في تشكيل حكومة توافقية بدعم الإطار التنسيقي، ويواصل إدارة الدولة وفق توازنات داخلية وخارجية دقيقة.
- التنازع داخل الإطار:
تتصاعد الخلافات بين أجنحة الإطار بعد الانتخابات، خصوصاً بين المالكي والسوداني، ما قد يؤدي إلى إعادة خلط الأوراق داخل المعسكر الشيعي.
- عودة الصدر للمواجهة:
يحتفظ التيار الصدري بصمته مؤقتًا، لكنه قد يعود إلى الشارع خلال العام المقبل، مدفوعًا بشعور “الخذلان السياسي”، ما قد يفتح دورة جديدة من الاحتجاجات.

