تشهد تركيا اتساعًا متزايدًا في ظاهرة هجرة الشباب، في ظل تراجع الفرص الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتعمّق الشعور بانسداد الآفاق المهنية.
وتنعكس هذه الضغوط بقوة داخل الجامعات، التي تحولت إلى بؤر تعكس حجم الأزمة المعيشية والنفسية التي تدفع الآلاف إلى التفكير بالهجرة كخيار شبه إلزامي.
الجامعات تحت الضغط: تكاليف يومية تفوق قدرة الطلاب
أصبحت الحياة الجامعية أكثر قسوة مع تضخم الأسعار، إذ لم يعد بإمكان كثير من الطلاب تغطية نفقات الطعام حتى ضمن الحد الأدنى. فحتى الاعتماد على وجبات بسيطة مثل السيميت وشراب العيران لم يعد خيارًا متاحًا بسهولة بعد ارتفاع تكلفتها الشهرية إلى مستويات ترهق ميزانيات الطلبة.
أزمة السكن: عجز حكومي وتكاليف خاصة باهظة
النقص الحاد في السكن الجامعي الحكومي يدفع الآلاف إلى شقق خاصة مرتفعة الكلفة، ما يضطر العديد منهم إلى العمل لساعات طويلة بالتوازي مع الدراسة. هذا الوضع يشكل أحد أبرز دوافع التفكير بالهجرة، بعدما بات الجمع بين الدراسة والعيش الكريم شبه مستحيل.
شهادات طلابية تكشف عمق الأزمة
تنقل شهادات طلاب مثل سلين تورغوت وأنس شعبان أوغلو وإيدا ألطون صورة قاتمةمن شعور بالإنهاك وضبابية تجاه المستقبل إلى غياب فرص العمل عقب التخرج، ومن قروض حكومية لم تعد تغطي أبسط الاحتياجات إلى انشغال يومي بكيفية العبور لا بالتخطيط للمستقبل.
وتتفق أغلب هذه الشهادات على أن الهجرة باتت الخيار الأكثر واقعية.
اتساع الظاهرة: هجرة الكفاءات من الجامعات والمدارس العليا
تشير البيانات الحديثة إلى قفزة كبيرة في أعداد المهاجرين خلال الأعوام الأخيرة. الفئة الأكثر مغادرة هي فئة الشباب بين العقدين الثاني والثالث، وهي الشريحة التي تشكل العمود الفقري لسوق العمل وللقطاعات التكنولوجية والإبداعية.
وتُظهر الدراسات أن أعلى نسب الهجرة تأتي من تخصّصات التكنولوجيا والهندسة والعلوم الأساسية، ما يكثّف مخاوف “نزيف الأدمغة” الذي بات يؤثر في تنافسية البلاد العلمية والاقتصادية.
الوجهات المفضلة: بحث عن بيئة أكاديمية ومهنية أكثر استقرارًا
تتصدر الولايات المتحدة وألمانيا قائمة الدول التي تستقبل الشباب الأتراك، تليهما بريطانيا وهولندا وكندا، في ظل توفر فرص تعليمية أفضل وبنية مهنية أكثر جاذبية واستقرارًا.
ظاهرة جديدة: طلاب المدارس المرموقة يلتحقون بالركب
لم تعد الهجرة مقتصرة على خرّيجي الجامعات، إذ يمتد التوجّه إلى طلبة الثانويات المرموقة مثل إسطنبول وغالاتا سراي والألمانية، الذين يختارون الدراسة في الخارج خوفًا من البطالة وتراجع جودة التعليم والقيود السياسية.
العوامل السياسية: تضييق أكاديمي ومخاوف من الانغلاق
منذ محاولة الانقلاب الغامضة عام 2016، شهد القطاع الأكاديمي حملة واسعة من الإقصاء طالت آلاف الأكاديميين وإغلاق العديد من المؤسسات المدنية، إلى جانب قيود على السفر والبحث العلمي. هذا المناخ ساهم في تراجع ثقة الشباب بالمستقبل داخل البلاد.
استمرار الانتقادات للحكومة
تُوجّه انتقادات للحكومة الحالية تتعلق بتقييد الحريات الأكاديمية وتعزيز الخطاب الوطني والديني داخل الجامعات على حساب البحث العلمي الحر، ما يدفع شرائح واسعة من المتعلمين إلى البحث عن فضاء أوسع للتطور المهني والفكري خارج تركيا.
التطورات السياقية الأخيرة
تشير النقاشات الدائرة داخل الأوساط الاقتصادية التركية إلى أن أزمة غلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات واستمرار بطالة الشباب تشكل تحديات بنيوية لم تُفلح السياسات الحكومية حتى الآن في احتوائها. كما تتواصل موجة الاعتراضات الطلابية في عدة جامعات للمطالبة بزيادة المنح وتحسين السكن، فيما تتصاعد التحذيرات من تراجع تنافسية الاقتصاد التركي أمام فقدان الكفاءات الشابة.

