تكشف نتائج استطلاع وطني واسع أُجري في أواخر كانون الأول عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والقراءة الشعبية للوضع الاقتصادي في تركيا. الغالبية الساحقة من الأتراك ترى أن المسار الاقتصادي للبلاد يسير في الاتجاه الخاطئ، بينما تبقى نسبة من يعتقدون بوجود تحسن محدودة للغاية، ما يعكس مناخًا عامًا من التشاؤم وعدم اليقين مع نهاية عام وبداية آخر.
تقييم عام لسنة مثقلة بالأزمات
عند سؤال المشاركين عن تقييمهم الشامل لعام 2025، وصفت أغلبية واضحة السنة بأنها سيئة. هذا الانطباع السلبي لم يكن موحدًا سياسيًا، بل تباين بحدة وفق الانتماءات الحزبية. جزء معتبر من ناخبي حزب العدالة والتنمية الحاكم رأى أن العام كان جيدًا نسبيًا، في حين تراجعت هذه النسبة بين حلفائه القوميين، وانخفضت إلى مستويات هامشية لدى قواعد أحزاب المعارضة القومية والكردية واليسارية.
في المقابل، ارتفعت نسبة من وصفوا العام بالسيئ بشكل كاسح بين ناخبي المعارضة، لكنها لم تكن غائبة حتى داخل القاعدة الانتخابية للحزب الحاكم، ما يشير إلى تآكل الرضا حتى في البيئات المؤيدة للسلطة.
الاقتصاد في صدارة السخط الشعبي
الملف الاقتصادي كان الأكثر حساسية في الاستطلاع. تقييم الأداء الاقتصادي لعام 2025 جاء سلبيًا لدى الغالبية، مع فروقات واضحة بين المعسكرات السياسية. فبينما رأى جزء من ناخبي الحزب الحاكم أن الوضع الاقتصادي جيد، تراجعت هذه القراءة بشكل حاد لدى حليفه القومي، وكادت تختفي لدى ناخبي أحزاب المعارضة الرئيسية، حيث تجاوزت نسبة التقييم السلبي عتبة الإجماع.
هذه النتائج تعكس إدراكًا عامًا بأن الضغوط المعيشية لم تعد مسألة رأي سياسي، بل تجربة يومية مشتركة، حتى وإن اختلفت درجات التعبير عنها.
الغلاء المعيشي: همّ عابر للأحزاب
عند تفصيل مصادر القلق الاقتصادي، تصدرت أسعار المواد الغذائية قائمة المشكلات الأكثر إلحاحًا لدى جميع الفئات السياسية بلا استثناء. الغلاء في الأسواق الأساسية بات العبء الأكبر على الأسر، تليه أزمة السكن والإيجارات، ثم تكاليف الطاقة والمياه.
في هذا السياق، برزت مسألة عدم كفاية الدخل بشكل أوضح لدى ناخبي المعارضة، ما يعكس شعورًا أعمق بالهشاشة الاقتصادية وانسداد آفاق التحسن الفردي.
اهتزاز الثقة بالمؤسسات والحريات
الاستطلاع لم يقتصر على الاقتصاد، بل امتد إلى تقييم أداء مؤسسات الدولة. نسبة كبيرة من المشاركين عبّرت عن عدم رضاها عن عمل منظومة العدالة والقضاء، مع تسجيل مستويات مرتفعة من الشكوك حول وضع حرية التعبير.
اللافت أن الانتقادات لم تكن حكرًا على المعارضة، إذ أقر جزء غير قليل من ناخبي الحزب الحاكم وحليفه بوجود مشكلات في هذا المجال، وإن بدرجات أقل من خصومهم السياسيين.
المشاعر العامة: القلق يتقدم على الغضب
عند سؤال المشاركين عن إحساسهم تجاه العام المنصرم، برز “القلق” بوصفه الشعور الأكثر شيوعًا، يليه “عدم السعادة”. هذا القلق كان أشد وضوحًا لدى قواعد الأحزاب المعارضة، لكنه لم يغب عن باقي الشرائح، ما يعكس حالة توتر جماعي تتجاوز الاستقطاب السياسي التقليدي.
توقعات متشائمة للعام الجديد
النظرة إلى عام 2026 لم تحمل انفراجًا في المزاج العام. غالبية المشاركين أعربوا عن توقعهم بتدهور أوضاعهم الاقتصادية الشخصية، مع تفاوت ملحوظ بين القواعد الحزبية. حتى داخل صفوف الحزب الحاكم، لم تتجاوز نسبة المتفائلين بالتحسن الاقتصادي حدود الأقلية، بينما هبط التفاؤل إلى مستويات شبه معدومة لدى ناخبي المعارضة.
سياق اقتصادي ضاغط
تأتي هذه المواقف في ظل أزمة معيشية ممتدة، تميزت بتضخم مرتفع وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية خلال الأعوام الأخيرة. ورغم تسجيل تراجع تدريجي في معدلات التضخم الرسمية مقارنة بذروتها التاريخية، فإن مستويات الأسعار ما زالت مرتفعة، لا سيما في قطاعات التعليم والسكن والغذاء والصحة.
في المقابل، تشكك تقديرات اقتصادية مستقلة في الأرقام الرسمية، معتبرة أن التضخم الحقيقي أعلى بكثير، وهو ما يفسر استمرار الشعور الشعبي بالاختناق الاقتصادي رغم الخطاب الرسمي عن التحسن.
إلى جانب ذلك، أدى التراجع الكبير في قيمة الليرة خلال فترة زمنية قصيرة إلى تقليص القدرة الشرائية للأسر، ودفع شرائح واسعة إلى تقليص إنفاقها حتى على الاحتياجات الأساسية.
الخلاصة
الاستطلاع يرسم مشهدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مثقلًا بالقلق، حيث يلتقي الغلاء وتراجع الثقة بالمؤسسات في تشكيل مزاج عام متشائم. وبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن تحسن نسبي، يبقى الشارع التركي أسير تجربة يومية مختلفة لا تزال بعيدة عن الإحساس بالاستقرار.

