أظهر تقرير الأنشطة السنوي لعام 2025 الصادر عن جهاز الاستخبارات الوطنية التركي أن الجهاز اضطلع بدور “جسر بين جميع الأطراف” خلال المفاوضات التي أفضت إلى وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، بعد حرب استمرت أربعة وعشرين شهرًا وأعادت تشكيل المشهد الإقليمي سياسيًا وإنسانيًا.
مدير الجهاز إبراهيم قالين، الذي تولى المنصب في ديسمبر 2024 عقب عمله مستشارًا للسياسة الخارجية للرئيس رجب طيب أردوغان، أوضح في مقدمة التقرير أن الاستخبارات التركية أدارت “دبلوماسية استخباراتية مكثفة” مع مختلف الفاعلين، شملت ملفات وقف دائم لإطلاق النار، وتبادل الأسرى، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ودعم المصالحة الفلسطينية الداخلية، إلى جانب الدفع نحو حل الدولتين. وأكد أن الجهاز تدخل لتذليل العقبات التي اعترضت مسار التفاوض، مسهمًا في تحقيق نتائج وُصفت بالإيجابية.
مسار الوساطة: ضمانات دولية وقنوات غير مباشرة
رغم ما أورده التقرير عن دور الوسيط بين “جميع الأطراف”، فإن المعطيات العلنية تشير إلى أن أنقرة لعبت دورًا محوريًا في التواصل مع حركة حماس تحديدًا، بينما جرى التنسيق مع الجانب الإسرائيلي عبر وسطاء دوليين وعرب.
خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تركيا ستكون من بين الضامنين الرسميين الأربعة للهدنة، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر ومصر.
وخلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، عقد قالين لقاءات متكررة مع قيادات سياسية في حماس في إسطنبول والدوحة وأنقرة، في إطار مساعٍ لإقناع الحركة بقبول المقترح الأميركي. تصريحات لاحقة لمسؤولين في الحركة أشارت إلى أن الرسالة التركية في المرحلة النهائية كانت واضحة: آن أوان القبول بالاتفاق، في ظل تفاقم الوضع الإنساني واستنزاف الشارع الفلسطيني.
ترامب من جانبه أشاد علنًا بدور أردوغان، واصفًا إياه بأنه من بين “الأكثر قوة في العالم”، ومعتبرًا أن تدخله كان عاملًا حاسمًا في تحقيق الاختراق.
تحفظ إسرائيلي واعتراض على الحضور التركي
الموقف الإسرائيلي اتسم بالحذر والرفض المباشر لمشاركة تركية ميدانية. مسؤولون إسرائيليون وصفوا أنقرة بأنها قريبة من حماس، بل واعتبروها خصمًا سياسيًا. ووفق تصريحات متداولة لمسؤولين من الحركة، فإن إسرائيل رفضت إشراك تركيا في ترتيبات التنفيذ الميداني، كما أعلنت أنها ستمنع أي انتشار عسكري تركي محتمل داخل غزة ضمن قوة استقرار ما بعد الهدنة.
في ضوء ذلك، اقتصر الدور التركي على العمل عبر قنوات تنسيق غير مباشرة من خلال الولايات المتحدة ووسطاء عرب.
حرب طويلة وحصيلة بشرية غير مسبوقة
اندلعت الحرب عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، حين قُتل نحو 1,200 شخص داخل إسرائيل، معظمهم من المدنيين، وأُخذ 251 رهينة إلى غزة.
بحسب وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين حتى منتصف فبراير 2026 نحو 72,061 قتيلًا، إضافة إلى 171,715 جريحًا. الأمم المتحدة وأجهزة استخبارات غربية اعتبرت هذه الأرقام ذات مصداقية، مع الإشارة إلى أنها قد لا تعكس العدد الفعلي بسبب وجود آلاف الجثامين تحت الأنقاض، وعدم احتساب الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الجوع أو المرض أو انهيار المنظومة الصحية.
دراسة صادرة في نوفمبر عن معهد ماكس بلانك للبحوث الديموغرافية قدّرت عدد القتلى جراء العنف بين مئة ألف ومئة وستة وعشرين ألفًا، بينهم نسبة 27 بالمئة من الأطفال دون الخامسة عشرة. كما أشارت دراسة ميدانية نُشرت في يوليو 2025 في The Lancet إلى أن وزارة الصحة قلّلت من تقدير وفيات الإصابات المباشرة بنسبة 41 بالمئة.
وفي سياق متصل، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق أمام جمهور في سبتمبر إن “أكثر من عشرة بالمئة” من سكان غزة، البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، قُتلوا أو أُصيبوا خلال الحرب.
تحليل صور أقمار صناعية للأمم المتحدة أظهر أن ما يقارب 78 بالمئة من مباني القطاع دُمّر بحلول يوليو 2025، ما يعكس حجم الدمار الهيكلي غير المسبوق.
المسار القضائي الدولي: مذكرات توقيف ودعوى إبادة
في نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية شبهات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها استخدام التجويع كسلاح. وبموجب نظام المحكمة، يُفترض أن تقوم الدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة بتوقيفهما إذا دخلا أراضيها.
على صعيد موازٍ، رفعت جنوب أفريقيا دعوى إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023، وانضمت إليها ثلاث عشرة دولة بينها تركيا. وفي يناير 2024 أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة تلزم إسرائيل بمنع أعمال الإبادة وضمان إدخال المساعدات، فيما لا تزال القضية قيد النظر.
وفي سبتمبر 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن أفعال إسرائيل في غزة تندرج ضمن التعريف القانوني للإبادة الجماعية وفق اتفاقية 1948، معتبرة أن السلطات الإسرائيلية ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة التي تُعرّف الجريمة.
ملفات أخرى في تقرير الاستخبارات
لم يقتصر التقرير على غزة، بل تناول جهود السلام مع حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى عمليات الجهاز في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
كما أشار إلى إحباط محاولات تجسس وتوسيع نطاق العمل الاستخباراتي الخارجي ليشمل آسيا الوسطى والبلقان والشرق الأوسط وأفريقيا، مع تعزيز التعاون مع أجهزة نظيرة في تلك المناطق.
خلاصة
تقرير الاستخبارات التركية يقدّم سردية رسمية لدور أنقرة كوسيط وضامن في هدنة غزة، ضمن شبكة معقدة من الضغوط الدولية والتحفظات الإسرائيلية. الهدنة جاءت بعد حرب مدمرة خلّفت أرقامًا قياسية من الضحايا وفتحت مسارات قضائية دولية لا تزال تداعياتها مستمرة.

