يشهد الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي مرحلة متقدمة من إعادة هندسة منظومته الأمنية، في ظل تصاعد التوتر مع روسيا وتداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بالحرب الأوكرانية. وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في مسارين متوازيين: الأول ميداني يتمثل في استكمال مشاريع التحصين الحدودي، والثاني سياسي–أمني عكسه اجتماع طارئ لقادة أوروبيين بعد تطورات خطيرة في العمق الروسي.
لاتفيا تُنجز الحاجز الحدودي مع روسيا: بنية ردع طويلة الأمد
أعلنت لاتفيا الانتهاء من مشروع الحاجز الفيزيائي على طول حدودها مع روسيا، ليصل طول العوائق المشيّدة إلى 280 كيلومترًا، في خطوة تُعدّ من أبرز مشاريع التحصين الحدودي على مستوى الاتحاد الأوروبي. ولا يقتصر المشروع على الحواجز المادية، بل يتضمن شبكة متكاملة من البنى التحتية، تشمل طرقًا مخصصة للدوريات الحدودية، إلى جانب تجهيزات مراقبة متقدمة.
وأكد وزير الداخلية اللاتفي ريخاردس كوزلوفسكيس أن العمل مستمر على تزويد الحدود بأنظمة تكنولوجية عالية المستوى، مشيرًا إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في إنشاء أكثر منظومة حماية حدودية تطورًا على امتداد الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، في إشارة واضحة إلى البعد الأوروبي للمشروع، وليس فقط الوطني.
توسّع التحصينات نحو المناطق الوعرة والحدود مع بيلاروس
في سياق استكمال المنظومة الدفاعية، تخطط السلطات اللاتفية للبدء في ربيع عام 2026 بتنفيذ ممرات عبور عائمة في المناطق الأكثر وعورة، لا سيما حول بحيرة بيتليا، حيث تشكل المستنقعات تحديًا جغرافيًا أمام السيطرة الحدودية التقليدية. هذه الخطوة تعكس توجّهًا نحو سدّ الثغرات الطبيعية التي قد تُستغل في سيناريوهات التسلل أو الضغط الهجين.
ويأتي ذلك استكمالًا لتجربة سابقة، إذ كانت لاتفيا قد أنهت في يوليو 2024 بناء حاجز مماثل على حدودها مع بيلاروس بطول 145 كيلومترًا، في إطار سياسة تحصين شاملة تستهدف محيطها الشرقي بالكامل.
تصعيد أمني غير مسبوق: اجتماع أوروبي عاجل بعد استهداف مقر بوتين
بالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، شهدت الساحة السياسية الأوروبية تحركًا عاجلًا عقب إعلان روسيا تشديد موقفها التفاوضي، وذلك بعد هجوم بطائرات مسيّرة استهدف المقر الرسمي للرئيس فلاديمير بوتين في مقاطعة نوفغورود.
ووفق ما أعلنته موسكو، فقد استخدمت القوات الأوكرانية 91 طائرة مسيّرة في الهجوم، مؤكدة أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية تمكنت من إسقاط جميع الطائرات دون تسجيل إصابات. ورغم ذلك، اعتُبر الهجوم تطورًا نوعيًا لكونه طال منشأة سيادية حساسة، ما دفع الكرملين إلى إعادة تقييم مقاربته للمفاوضات.
في ضوء هذا التصعيد، عقد عدد من القادة الأوروبيين اجتماعًا طارئًا، شارك فيه كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك. الاجتماع خُصص لتقدير الموقف الأمني وانعكاساته على المسار الأوكراني–الروسي.
أوكرانيا في صلب النقاش: أمن، إعادة إعمار، ومسار أوروبي
وأوضحت فون دير لاين، في تصريح علني، أن المباحثات ركزت على ثلاثة محاور أساسية: الضمانات الأمنية لأوكرانيا، آفاق إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، وإمكانية تسريع اندماجها ضمن الهياكل الأوروبية مستقبلًا. ويعكس ذلك سعي الاتحاد الأوروبي إلى الربط بين الردع الأمني شرقًا والدعم السياسي–الاستراتيجي لكييف.
سياق أوسع: من الردع الحدودي إلى إعادة التموضع الاستراتيجي
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة. فاستكمال الحواجز الحدودية، إلى جانب الاجتماعات الطارئة رفيعة المستوى، يعكس انتقال أوروبا من سياسة الاحتواء إلى منطق التحصين والاستعداد طويل الأمد. كما يشير إلى إدراك متزايد بأن الصراع مع موسكو لم يعد مؤقتًا، بل بات عنصرًا بنيويًا في معادلات الأمن الأوروبي.

