طُرح ملف الانتهاكات المرتبطة بمراسيم الطوارئ في تركيا، التي توجهت بشكل أساسي إلى من ينتمون إلى حركة الخدمة، على طاولة النقاش الدولي خلال أعمال الدورة السبعين للجنة وضع المرأة في الأمم المتحدة، في خطوة تعكس انتقال هذه القضية من الإطار المحلي إلى فضاء المساءلة الدولية.
منصة دولية للنقاش: حقوق المرأة في ظل الأنظمة السلطوية
احتضن مقر الأمم المتحدة في نيويورك جلسة حوارية بعنوان “السلطات السلطوية وسياسات الجسد والهوية الجندرية”، بتنظيم مشترك بين منظمات حقوقية وأكاديمية، وبمشاركة شخصيات بحثية وإعلامية من خلفيات متعددة.
تركزت المناقشات على كيفية توظيف الأنظمة السلطوية السيطرة على أجساد النساء كأداة سياسية، مع تسليط الضوء على العنف القائم على النوع الاجتماعي بوصفه ظاهرة عابرة للحدود، تتطلب استجابة دولية قائمة على التضامن.
شهادات من تركيا: الانتهاكات في ظل مراسيم الطوارئ
قدّمت الصحفية المنفية سيفينتش أوزارسلان عرضاً مفصلاً لانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بمراسيم الطوارئ، مستندة إلى حالات فردية لنساء ورجال تضرروا من هذه الإجراءات.
وأشارت إلى أن البيئة الإعلامية في تركيا أصبحت مقيدة بشدة، مؤكدة أن التعبير عن الحقائق قد يؤدي إلى إسكات الأصوات، كما حدث معها عبر حجب حساباتها على وسائل التواصل داخل البلاد.
وسلطت الضوء على استهداف نساء بناءً على انتماءات دينية مزعومة، مشيرة إلى حالات توقيف طالت نساء حوامل وأخريات في فترة ما بعد الولادة، إضافة إلى مريضات، رغم تقارير دولية تفيد بعدم ثبوت ارتكابهن جرائم.
ظروف الاحتجاز: اتهامات بسوء المعاملة وحرمان من العلاج
تطرقت الشهادات إلى أوضاع السجون، حيث أُثيرت مزاعم حول سوء المعاملة، والعنف الجنسي، وصعوبات جدية في الوصول إلى الخدمات الصحية.
كما عرضت حالات تتعلق بتعرض محتجزين للتعذيب أثناء الاحتجاز، إضافة إلى معاناة المرضى من ممارسات وُصفت بأنها تنتهك الكرامة الإنسانية خلال تلقي العلاج.
وشملت الإفادات أيضاً قضايا تتعلق بعائلات طلاب عسكريين وضباط متدربين، حيث تواجه الأمهات ضغوطاً واعتقالات أثناء مطالبتهن بالعدالة.
دعوة للمجتمع الدولي: كسر الصمت
اختتمت أوزارسلان مداخلتها بدعوة صريحة للمجتمع الدولي لعدم تجاهل ما وصفته بالانتهاكات المنهجية، محذرة من أن الصمت يسهم في استمرارها.
رؤى دولية: العنف الجندري كأداة سياسية عالمية
تناول مشاركون آخرون من خلفيات أكاديمية وحقوقية الطابع البنيوي للعنف ضد النساء في الأنظمة السلطوية، مؤكدين أنه لم يعد ظاهرة محلية بل نمطاً متكرراً على مستوى عالمي.
في هذا السياق، عرضت راشيل ماينر، مؤسسة منظمة تُعنى بدعم النساء المتضررات من العنف السياسي، تجربتها في تطوير أدوات علاجية تركز على تمكين النساء وإعادة بناء هويتهن، مع التركيز على مفهوم “الناجيات” بدلاً من “الضحايا”.
وأشارت إلى أن أنماط العنف في النزاعات، بما فيها الاغتصاب خلال الإبادة الجماعية، تمثل ظاهرة متكررة يمكن التنبؤ بها، وتتطلب استجابة ممنهجة.
تجارب من مناطق النزاع: مقاومة النساء رغم القيود
من جانبها، عرضت الباحثة شيلان فؤاد حسين نتائج دراساتها حول قضايا مثل الزواج القسري وختان الإناث وجرائم “الشرف”، مشيرة إلى أن ما لفت انتباهها لم يكن فقط حجم المعاناة، بل أيضاً قدرة النساء على المقاومة.
وأوضحت أن هذه المقاومة تتجلى عبر التعليم والعمل الجماعي وأشكال متعددة من التحدي داخل المجتمعات المحافظة، معتبرة أن هذه التجارب تقدم سردية مضادة لفكرة الاستسلام للواقع.
كما أشارت إلى أن هذه الظواهر لا تقتصر على بلدان المنشأ، بل تمتد إلى مجتمعات الشتات، حيث تستمر بعض الأنماط الاجتماعية بصورة أكثر خفاءً.
تفكيك هيمنة السلطة: إعادة بناء إرادة النساء
بدورها، شددت سيندي موريس، مؤسسة مبادرة “نساء يغيرن العالم”، على أن الأنظمة السلطوية تستهدف إضعاف إرادة النساء بشكل منهجي، معتبرة أن استعادة هذه الإرادة تمثل جوهر التغيير.
وأكدت أن تحقيق التحول يتطلب إيماناً جماعياً بإمكانية التغيير، مشيرة إلى أن مكاسب حقوق المرأة تحققت تاريخياً عبر العمل الجماعي وستستمر بهذه الطريقة.
تحذير أكاديمي: تصاعد النزعات القومية والدينية
قدّمت البروفيسورة مانيشا ديساي قراءة أوسع، محذّرة من تصاعد الأيديولوجيات القومية المتشددة والنزعات الدينية الإقصائية على مستوى عالمي.
وأشارت إلى أن هذه التيارات لم تعد محصورة جغرافياً، بل أصبحت عابرة للحدود، ما يستدعي بناء تحالفات متعددة الأعراق والأديان لمواجهتها.
خاتمة النقاش: الحاجة إلى تضامن عالمي مستدام
في ختام الجلسة، شددت المُيسّرة حفصة غيرداب على أن العنف القائم على النوع الاجتماعي في الأنظمة السلطوية يحمل طابعاً عابراً للحدود، ما يجعل مواجهته مسؤولية جماعية.
وأكدت أن الاستمرار في تسليط الضوء على هذه القضايا وبناء شبكات تضامن دولية يمثلان شرطاً أساسياً لحماية الكرامة الإنسانية ومنح الأمل للمتضررين.
خلاصة
إثارة ملف مراسيم الطوارئ التركية في الأمم المتحدة تعكس تدويل قضية الانتهاكات المرتبطة بها وربطها بسياق أوسع من العنف الجندري في الأنظمة السلطوية. كما تؤكد النقاشات أن المواجهة تتطلب تضامناً دولياً فعالاً يتجاوز الحدود الجغرافية.

