تقرير: ياوز أجار
بحسب الكاتب والمحلل السياسي التركي المخضرم البروفيسور مُمتازَرْ تُورْكُونَه، تمرّ البنية السلطوية في تركيا بمرحلة انحلال بنيوي، وما يُشاهد من حملات ضد المعارضة ليس إلا تجلياتٍ لهذا التفكك. الشعب قد حسم أمره منذ زمن؛ التغيير حتمي، وما تعيشه البلاد في الآونة الأخيرة ليس سوى آلام هذا التحول المرتقب.
عندما صرّح رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، بأن العمليات الأخيرة ضد حزبه لا تستهدف “النتيجة” وإنما تُدار بمنطق “العملية”، لم يتوقف كثيرون عند مغزى هذا التصريح أو لم يدركوا معناه الحقيقي. ومع ذلك، فالفارق بين النهجين بالغ الأهمية: هل يمكن لمهندس لعبة سياسية أن يدير عملية دون أن يرمي إلى نتيجة؟ وهل تُعدّ العملية فعلاً مجرد مسار لا يفضي إلى غاية؟
في سعيه لتفسير هذه الإشكالية، لجأ توركونه إلى حكايات الحيوانات، حيث تُستعان بها لفهم معادلات القوة والسياسة. فمنذ “كليلة ودمنة” لبيدبا، ظلّت الغابة رمزاً لمجتمع السلطة، وتكرّرت على مسرح الأحداث ثلاث شخصيات رئيسية: الأسد رمز القوة، الثعلب رمز الدهاء، والذئب رمز الولاء الساذج. أما بقية المخلوقات، فهي تمثل عموم الشعب.
الأسد يُصدر الأوامر ويمزّق فريسته ثم ينزوي. الثعلب، العقل المدبّر الذي لا تلتقطه العيون، هو من يرسم تفاصيل كل مشهد. أما الذئب، طيب القلب سيئ السمعة، فيؤدي دوره المرسوم له بتفانٍ، واقعاً بين طاعة الأسد وخداع الثعلب. أما الضباع، فتكتفي بالترصّد بصمت لالتهام البقايا.
وهكذا، تُكتب رواية الغابة.
لم يكن مكيافيلي عبثياً حين قال إن على الحاكم أن يكون أسداً يرهب خصومه، وثعلباً يتفادى الفخاخ. فهاتان الصفتان هما وجهان لا ينفصلان لأي سياسي متمرّس.
لكن انتبهوا: في أيامنا هذه، الأسد في القفص، والثعلب عالِقٌ في شِراكه. قد يُوحي ذلك بانتهاء الدور، لكنه خداع بصري. فكل سياسي، حين تُضيق عليه الخناق، يعود ليكون أسداً، وحين يُعدّ المسرح، يتقمص دور الثعلب.
غير أن قوانين الغابة لا تتغير، لكن طاقة لاعبيها قد تنضب.
وبحسب توركونه، فإن الأسد التركي اليوم قد شاخ. أنيابه قد نخرها العجز، ولم يعد قادراً على تمزيق فريسته أو التهامها. ومن هنا يبدأ الأفول.
في هذا الفراغ، يتدخل الثعلب مجدداً، يحرّك الذئب ويستنفره، في محاولة يائسة لإطالة عمر السيادة، بحثاً عن طرائد جديدة تبقيهم في الواجهة لبعض الوقت.
لكن أهل الغابة لا يدركون ذلك بعد؛ فلحظة قولهم: “لم يكن علينا أن نسلّم البقرة الصفراء”، قد ولّت منذ زمن.
في هذا المشهد المتشابك، تظهر رؤيتان متضادتان:
- الرؤية الأولى: ترى أن الرئيس أردوغان لا يزال يسيطر على كل شيء. يتحكّم بمفاصل الدولة، ويُخضع المعارضة كما يُلاعب القط الفأر. لا مجال للهروب، ولا وجود لقوة أخرى يمكنها الوقوف بوجهه. انتهى زمن الصندوق الانتخابي، ولا خيار إلا الاستسلام.
- الرؤية الثانية: تقول إن أردوغانيلعب في الوقت الضائع. البيروقراطية قد انفلتت من بين يديه، حزبه يتآكل من الداخل، الاقتصاد في حالة شلل، وحتى القوى الداعمة له بدأت تبحث عن بدائل. التغيير السياسي ضرورة وطنية ملحّة. أما ما يُسمى بعمليات تصفية المعارضة، فلا يعدو كونه ارتجاجات يائسة من نظام يتداعى.
أي من هاتين الرؤيتين أصح؟
الجواب قريب جداً. إذا قررت المحكمة يوم الإثنين فرض وصاية على حزب الشعب الجمهوري، تثبت الرؤية الأولى. أما إذا تم تأجيل القرار، أو تمّت المماطلة فيه، فالرؤية الثانية تزداد قوة.
يُذكّر توركونه بحادثة اعتقال الصحفي فاتح ألطايلي، معتبراً أنها لا تدل على قوة، بل تكشف عن عجز صارخ. يقول: “السلطة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى إهانة الصحفيين والزجّ بهم في السجون. التهويل ليس مظهراً للقوة، بل أقوى علامات الضعف”.
الأسد بلا أنياب، الثعلب خسر كل حيله، الذئب تائه لا يدري ماذا يفعل. أما سكان الغابة، فقد حسموا خيارهم. ما نمرّ به ليس سوى مخاض التغيير. كل خطوة تتخذها السلطة تزيد من خسارتها.
تركيا بلد عرف الانتخابات منذ عام 1837، ولا يمكن محو هذه الذاكرة.
يؤكد توركونه أن أقوى أشكال السلطة هو الشرعية الصامتة. ومن يفقد شرعيته، لن يستطيع استعادتَها ولو صرخ ملء السماء.
لب القول: يرى توركونه أن النظام السياسي في تركيا يترنّح نحو السقوط، وأن التحولات الجارية اليوم، على ما فيها من اضطراب، لا تمثّل قمعاً ناجزاً بقدر ما تعبّر عن هشاشة متزايدة، ومجتمع اختار سلفاً طريق التغيير.

