في حادثة أعادت إلى الأذهان مأساة سفينة “مرمرة الزرقاء”، اعترض الجيش الإسرائيلي مجددًا سفينة مساعدات إنسانية تحمل اسم “مادلين” كانت متجهة إلى قطاع غزة، وتم توقيفها في المياه الدولية. السفينة، التي كانت تنقل مواد أساسية كحليب الأطفال والدقيق والأدوية وأجهزة تحلية المياه، ضمّت على متنها 12 ناشطًا من عدة دول من بينها فرنسا وتركيا والسويد والبرازيل، بينهم ناشطان تركيان.
الناشطون تم اعتقالهم وسُحبت السفينة إلى ميناء أشدود الإسرائيلي، في خطوة وصفها الكاتب والمحلل السياسي التركي أرقم طوفان بأنها “طعنة في صميم الإنسانية والقانون الدولي“.
ازدواجية الموقف التركي: بين الإدانة الإعلامية والعلاقات المستمرة
رغم أن الحكومة التركية أصدرت بيانات تنديد بالحادثة، إلا أن أرقم طوفان يرى أن هذه التصريحات لا تتجاوز “السخط اللفظي”، مؤكدًا أن النظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان “يعجز حتى عن استدعاء السفير الإسرائيلي أو تقديم مذكرة احتجاج دبلوماسي“، فضلاً عن اتخاذ أي خطوات فعلية كفرض العقوبات أو تعليق العلاقات.
ويكشف طوفان أن العلاقات التجارية بين أنقرة وتل أبيب تسير بشكل طبيعي، مستشهدًا ببيان للنائب الكردي المعارض عمر فاروق جرجرلي أوغلو، الذي أشار إلى أن السفينة “Marla Bull” التابعة لشركة إسرائيلية شحنت مؤخرًا حمولة من ميناء ديرينجه التركي، لتصل إلى ميناء أشدود صباح اليوم ذاته الذي تم فيه احتجاز “مادلين“.
ازدواجية الخطاب والمصالح السياسية
يرى طوفان أن هذه المفارقة تعكس “نفاقًا سياسيًا صارخًا“، حيث توظف الحكومة التركية قضية فلسطين من أجل “أهداف دعائية ومصالح داخلية“ دون أن تتخذ خطوات عملية لحماية الشعب الفلسطيني أو دعم صموده. واعتبر أن النظام التركي “يفضل الصفقات والمكاسب الاقتصادية على القيم الأخلاقية“، على حد تعبيره.
سفينة “مادلين”: إحياء للضمير العالمي
يصف طوفان انطلاق سفينة “مادلين” بأنه “صرخة في وجه اللامبالاة الدولية“، موجهة ليس فقط نحو إسرائيل، بل أيضًا نحو المجتمع الدولي الغارق في الصمت والتقاعس، في وقت تشهد فيه غزة “كارثة إنسانية شاملة“.
ويشير إلى أن الوضع اليوم أسوأ بكثير من عام 2010، حين كانت غزة تخضع لحصار جزئي لا يزال يسمح بدخول بعض المساعدات. أما الآن، فالحصار الإسرائيلي وصل إلى درجة “تجويع جماعي ممنهج“، بحسب توصيفه، وأصبح من شبه المستحيل إيصال المعونات حتى عبر الأمم المتحدة.
هجوم 7 أكتوبر وسقوط غزة في فكي الكماشة
ورغم إدانته الصريحة للعدوان الإسرائيلي، يؤكد طوفان أن حماس “تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن هذه الكارثة“، متهماً إياها بأنها “قادت سكان غزة إلى مصير مأساوي محفوف بالمغامرة والدمار“. ويرى أن حماس لم تضع أي اعتبار للتوازنات السياسية أو لحياة المدنيين.
ويشير إلى أن هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي نفذته حماس وراح ضحيته مدنيون إسرائيليون، فتح الباب أمام حملة إسرائيلية واسعة حولت غزة إلى “أنقاض لا تصلح للحياة“، تهاوى فيها النظام الصحي وانتشرت المجاعة.
“مرمرة الزرقاء” و”مادلين”: أوجه الشبه والاختلاف
يقارن طوفان بين حادثة “مادلين” اليوم و”مرمرة الزرقاء” (ماوي مرمرة) عام 2010، مشيرًا إلى أن الأخيرة انطلقت في ظل وجود قنوات دبلوماسية، وكانت مؤسسات تركية مثل “كيمسه يوكمو” (هل من مغيث) قادرة على إيصال المساعدات بموافقة إسرائيلية.
أما الآن، فالوضع أكثر تعقيدًا، ولا مجال لأي تنسيق، حيث تم تدمير كل البنى التحتية الحيوية في غزة، والمجتمع الدولي بات عاجزًا عن إيصال أي دعم، ما يجعل من المبادرات الفردية “أعمالًا بطولية في وجه القهر الجماعي“.
أردوغان وموقفه المتقلب من سفينة “مرمرة“
يعود طوفان ليُذكّر بكيفية تعامل أردوغان مع حادثة “مرمرة”، حيث صرّح آنذاك بأن الحكومة هي من سمحت للسفينة بالانطلاق، قبل أن يتراجع لاحقًا ويتساءل: “هل استأذنتموني؟“، في محاولة للتنصل من المسؤولية.
ووفق طوفان، فإن هذا الأسلوب نفسه يتكرر اليوم، إذ تكتفي الحكومة بالتصريحات الإعلامية دون أي خطوات عملية، مما يكشف مجددًا “أن سياسة أردوغان تجاه فلسطين محكومة بالبراغماتية والانتهازية“.
“غريتا تونبرغ” في مواجهة الازدواجية السياسية
يشيد طوفان بالناشطة البيئية غريتا تونبرغ، التي قالت إنها مستعدة “للتضحية بحياتها من أجل إيصال 100 كغ من الطحين إلى غزة”. ويقارن موقفها بشجاعة صادمة بموقف النظام التركي، الذي “يكتفي ببيانات الشجب والإدانة بينما يواصل التجارة مع من يسميه علنًا بدولة الإرهاب“.

