في تطور جديد يكشف عمق أزمات الشفافية داخل المؤسسات المالية التركية، اعتقلت السلطات نائب محافظ البنك المركزي التركي السابق إمراه شَنَر ضمن تحقيق موسع يتعلق بفضيحة فساد وتلاعب في مناقصات “مركز البطاقات المصرفية”، الجهة الرئيسة المسؤولة عن أنظمة الدفع الإلكترونية في البلاد، والتي يملك البنك المركزي الحصة الأكبر من أسهمها.
وتأتي القضية في لحظة دقيقة تشهد فيها المؤسسات الاقتصادية التركية ضغوطاً متزايدة بشأن الحوكمة والنزاهة المالية، وسط انتقادات حادة من المعارضة حول ضعف الرقابة على الهيئات المرتبطة مباشرة بالبنك المركزي.
تفاصيل التحقيق: مناقصات مشبوهة وتلاعب مالي
أعلن مكتب المدعي العام في إسطنبول توقيف سبعة أشخاص، من بينهم إمراه شنر (47 عاماً) والرئيس التنفيذي السابق للمركز باران أيتاش، في إطار تحقيقات تتعلق بمخالفات واسعة شابت مناقصتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بتوريد «البطاقات الذكية»، والثانية بتطوير «مواصفات ونظام تطبيق تروي» في عام 2023.
وتشير التحقيقات إلى شبهات تتعلق بشراء خدمات من شركتَي مكتب بوغازيتشي لنقل التكنولوجيا وبي بولد للإعلانات والبرمجيات دون أي عملية مناقصة رسمية، إضافة إلى تحويلات مالية مشبوهة من حسابات بطاقات الطعام المخصصة للطلبة الدارسين في الخارج تحت غطاء تمويل مشاريع بحثية. كما يُشتبه في استخدام البطاقة الائتمانية الخاصة بالرئيس التنفيذي السابق أيتاش في مصاريف شخصية، في مخالفة صريحة للوائح المؤسسة.
بداية الخيط: مراجعة داخلية كشفت الانتهاكات
تعود جذور التحقيق إلى مراجعة داخلية أجريت في أكتوبر 2024، كشفت مؤشرات على ممارسات غير قانونية، ما دفع البنك المركزي التركي إلى التقدم بشكوى جنائية في ديسمبر من العام نفسه.
وقدرت الخسائر العامة الناتجة عن هذه الممارسات بما يزيد على مئة مليون ليرة تركية (نحو 2.3 مليون دولار أمريكي)، وهو ما أثار غضباً واسعاً داخل الأوساط المالية والسياسية على حد سواء.
المسار القضائي: احتجاز سبعة متهمين وهروب أربعة
أمرت محكمة الصلح الجنائية الثانية في إسطنبول باحتجاز سبعة من المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق، بينهم شنر وأيتاش وبورا كوتش ومحمد فاتح دميرباش وبيـرول كانبير وعثمان أرسلان ومحمد غوفن.
في المقابل، أُفرج عن ثلاثة آخرين تحت المراقبة القضائية، فيما أفادت التقارير بأن أربعة من المشتبه بهم تمكنوا من مغادرة البلاد قبل تنفيذ عمليات التوقيف في العاشر من أكتوبر الجاري.
ويجري التحقيق تحت أمر السرية القضائية، وسط توقعات بتوسعه ليشمل شخصيات أخرى من داخل القطاع المالي التركي.
ردود الفعل: انتقادات سياسية لاذعة ومطالبة بالمحاسبة
أثارت القضية موجة انتقادات في أوساط المعارضة التي اعتبرت أن الفضيحة تمثل ضربة قوية لمصداقية الحكومة في مجال مكافحة الفساد.
ووجه نواب في حزب «الخير» (İYİ) المعارض انتقادات مباشرة إلى وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، معتبرين أن الشخص الذي وصفه الوزير سابقاً بأنه من «أفضل العقول الاقتصادية» أصبح اليوم متهماً باختلاس مئة مليون ليرة من الأموال العامة.
وطالبت المعارضة بمساءلة الجهات التي رشحت شنر للمناصب العليا في البنك المركزي، معتبرة أن الفشل في التحقق من نزاهة المسؤولين يعد إخلالاً بالمسؤولية السياسية.
شنر بين الإنكار والماضي المثير للجدل
نفى إمراه شنر أثناء استجوابه أي علاقة له بالمناقصات أو التعاملات المالية التي أجراها مركز البطاقات المصرفية، مؤكداً أن صلاحياته لم تشمل تلك العمليات.
ويُذكر أن شنر بدأ مسيرته المصرفية عام 2003 في مؤسسات مالية عالمية مثل HSBC وCitibank في لندن، ثم عمل نائباً لرئيس قسم المنتجات المالية المركبة في بنك أوف أميركا، قبل أن يتولى عضوية لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي التركي بين عامي 2016 و2023.
وخلال تلك الفترة، لعب دوراً محورياً في تنفيذ سياسة بيع العملات الأجنبية عبر البنوك الحكومية، وهي السياسة التي عُرفت لاحقاً باسم “قضية الـ128 مليار دولار“، والتي أثارت جدلاً واسعاً حول شفافية إدارة احتياطيات النقد الأجنبي في البلاد.
خلفية سياسية واقتصادية: إرث من السياسات المثيرة للجدل
تُشير الوثائق والتقارير إلى أن برنامج بيع الدولارات الذي أشرف عليه شنر بين عامي 2019 و2020 استهدف دعم الليرة التركية في مواجهة تقلبات الأسواق خلال جائحة كورونا، غير أن منتقدي السياسة اعتبروا أنها استنزفت احتياطيات الدولة وأفقدت البنك المركزي قدرته على التدخل لاحقاً.
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد دافع حينها عن هذه الخطوة باعتبارها ضرورية للحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن الأموال لم «تضِع» بل استُخدمت في حماية العملة المحلية.
انعكاسات الفضيحة على صورة البنك المركزي
تأتي هذه الفضيحة في وقت تسعى فيه الحكومة التركية إلى ترميم ثقة المستثمرين الأجانب في مؤسساتها المالية بعد سنوات من السياسات غير التقليدية.
ويرى مراقبون أن اعتقال مسؤول رفيع المستوى مثل شنر يُشكل ضربة مزدوجة: فهو يضعف مصداقية المؤسسة النقدية أمام الأسواق الدولية، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى استقلاليتها عن السلطة التنفيذية.
كما أن ارتباط القضية بمؤسسة تابعة للبنك المركزي يعمّق المخاوف من أن الفساد الإداري قد امتد إلى الكيانات المالية السيادية، في وقت يحاول فيه وزير الخزانة والمالية تنفيذ إصلاحات لتهدئة الأسواق وتعزيز الانضباط المالي.
خلاصة المشهد: فضيحة تُعمّق أزمة الثقة
قضية إمراه شنر ليست مجرد ملف فساد مالي، بل مرآة لأزمة الحوكمة والرقابة داخل المؤسسات الاقتصادية التركية، في لحظة تحاول فيها أنقرة إقناع العالم بجدية إصلاحاتها المالية.
ومع استمرار التحقيقات تحت غطاء السرية، يبقى السؤال الأبرز: هل سيقتصر العقاب على الأفراد، أم تمتد المحاسبة إلى منظومة كاملة سمحت بتغلغل الفساد إلى عمق النظام المالي؟

