شهد أحد مجمّعات المحاكم في الجانب الآسيوي من إسطنبول حادثة غير مسبوقة هزّت الرأي العام، بعدما أقدم مدعٍ عام على إطلاق النار داخل المحكمة، ما أدى إلى إصابة قاضية بجروح خطيرة. الحادثة، التي وقعت أثناء الدوام الرسمي، كشفت هشاشة غير متوقعة في أكثر المؤسسات المفترض أنها رمز للأمن وسيادة القانون.
تفاصيل الهجوم ومسار التوقيف
القاضية أصلِى كهرمان، البالغة من العمر خمسًا وأربعين سنة، أُصيبت بعيار ناري في منطقة الحوض، ووصفت حالتها بالخطيرة. مطلق النار هو المدعي العام محمد جاغتاي قليتش أصلان، في الثالثة والثلاثين من عمره، الذي أوقفته المحكمة لاحقًا وقررت حبسه احتياطيًا بتهمة الشروع في القتل.
التحقيقات القضائية أوضحت أن العلاقة بين الطرفين كانت عاطفية في السابق، خلافًا لما تردد في الساعات الأولى عن وجود رابطة زوجية. هذا التفصيل أعاد توجيه النقاش من “حادث أمني” إلى إطار أوسع يرتبط بالعنف داخل العلاقات الشخصية.
منع كارثة أكبر داخل المحكمة
وفق المعطيات المتداولة، حاول المدعي العام إطلاق رصاصة ثانية، إلا أن تدخّل شخص يعمل في المحكمة حال دون ذلك. اللافت أن المتدخل كان محكومًا يقضي عقوبته بنظام الإذن اليومي، ويعمل في خدمة تقديم الشاي داخل المحكمة، ما أضفى بعدًا إنسانيًا ومفارقة قاسية على المشهد، حيث جاء منع التصعيد من شخص خارج السلك القضائي.
مؤشرات سابقة وملف تهديدات
مستندات الإحالة القضائية كشفت أن المتهم كان قد أرسل صورًا ورسائل تهديد إلى القاضية قبل الهجوم، وهو ما عزز فرضية التخطيط المسبق. كما أثارت التقارير الإعلامية جدلًا إضافيًا حين أشارت إلى أن المدعي العام عمل لسنوات في مكتب مختص بمنع العنف ضد النساء، وهو مكتب يتعامل مباشرة مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، ما اعتبره مراقبون تناقضًا صارخًا يثير تساؤلات حول آليات الرقابة النفسية والمؤسسية داخل الجهاز القضائي.
ردود فعل حقوقية وغضب نسوي
الهجوم قوبل بإدانة شديدة من منظمات حقوق المرأة، التي ربطت بين الواقعة وتصاعد العنف ضد النساء في تركيا خلال السنوات الأخيرة. هذه الجهات اعتبرت أن الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق أوسع من التراجع في منظومة الحماية القانونية، خاصة بعد انسحاب أنقرة من اتفاقية إسطنبول عام 2021، وهي المعاهدة الدولية التي تُلزم الدول باتخاذ إجراءات صارمة لمنع العنف ضد النساء وملاحقته.
أرقام تعكس عمق الأزمة
معطيات من جمعيات معنية بوقف جرائم قتل النساء رسمت صورة قاتمة للواقع الاجتماعي. خلال عام 2025 قُتلت مئات النساء على يد رجال، فيما عُثر على عدد مماثل في ظروف وُصفت بالمشبوهة. نسبة كبيرة من هذه الجرائم ارتُكبت داخل إطار العلاقات الزوجية أو الأسرية، بينما شكّلت الأسلحة النارية الأداة الأبرز في تنفيذها، ما يعيد النقاش إلى سهولة الوصول إلى السلاح وغياب الردع الفعّال.
ما بعد الحادثة: أسئلة تتجاوز الجريمة
الهجوم داخل محكمة إسطنبول فتح نقاشًا عامًا حول سلامة القضاة والعاملين في السلك القضائي، وحول آليات التعامل مع الشكاوى المرتبطة بالتهديدات الشخصية داخل المؤسسات الرسمية. كما أعاد إلى الواجهة سؤالًا أعمق: كيف يمكن لمؤسسات إنفاذ القانون أن تحمي المجتمع من العنف، إذا كانت هي نفسها عرضة لاختراقه من الداخل؟
الخلاصة
حادثة إطلاق النار في محكمة إسطنبول تجاوزت كونها جريمة فردية لتتحول إلى مرآة تعكس أزمة مركبة تجمع بين العنف القائم على النوع الاجتماعي، والثغرات المؤسسية، والتراجع في منظومة الحماية القانونية. ما جرى يضع العدالة التركية أمام اختبار قاسٍ لاستعادة الثقة وضمان الأمن داخل مؤسساتها.

