كشفت السلطات التركية عن تنفيذ سلسلة عمليات أمنية واسعة النطاق خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أسفرت عن توقيف 223 شخصًا بتهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بحركة الراحل فتح الله كولن.
ووفق المعطيات الرسمية، انتهت التحقيقات الأولية إلى اعتقال 87 شخصًا بقرار قضائي، فيما أُخلي سبيل خمسين آخرين تحت ما يُعرف بالإشراف القضائي، بينما لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة بحق بقية الموقوفين.
انتشار جغرافي واسع
العمليات نُفذت بالتنسيق بين النيابات العامة ووحدات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاستخبارات، وشملت عشرات الولايات التركية، من بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا وقونية وبورصة وغازي عنتاب.
هذا الانتشار الجغرافي يعكس استمرار اعتماد السلطات على نمط العمليات المتزامنة بدل الحملات المحدودة، في إطار ما تصفه الحكومة بـ”الملاحقة المستمرة للبنى السرية”.
طبيعة الاتهامات وأدوات التحقيق
الموقوفون يواجهون اتهامات تتعلق بالعمل ضمن ما تسميه السلطات “الهياكل السرية” للحركة، واستخدام تطبيق “بايلوك”، إضافة إلى التواصل عبر الهواتف العمومية، وتقديم دعم مالي عبر شركات يُشتبه بارتباطها بالشبكة.
وتُعد تحقيقات الهواتف العمومية من أكثر الملفات إثارة للجدل، إذ تقوم على تحليل سجلات المكالمات دون الاطلاع على مضمونها، مع افتراض أن الاتصال المتتابع من هاتف واحد يشير إلى شبكة تنظيمية واحدة، وهو افتراض لطالما أثار انتقادات قانونية وحقوقية.
بايلوك بين الاتهام والجدل القانوني
منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف عام 2016، اعتُبر تطبيق “بايلوك” أداة اتصال سرية بين أتباع الحركة، رغم كونه متاحًا سابقًا بشكل علني على متاجر التطبيقات، ودون تقديم أدلة مباشرة تربط محتوى الرسائل باستخدامات تتعلق بالانقلاب. ورغم ذلك، ظل التطبيق محورًا رئيسيًا في آلاف القضايا الجنائية.
الأحكام الأوروبية واستمرار النهج
اللافت أن هذه التوقيفات جاءت بعد صدور حكم بالغ الأهمية عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي اعتبرت في قرار صدر عام 2023 أن استخدام “بايلوك” لا يشكل بحد ذاته جريمة ولا يكفي لتبرير الاعتقال. الحكم، الذي صدر في قضية المعلم السابق يوكسل يلجِنكايا، أكد أن مجرد استخدام التطبيق لا يرقى إلى دليل جنائي مستقل. ومع ذلك، لم ينعكس هذا القرار بشكل ملموس على السياسات الأمنية والقضائية داخل تركيا.
خلفية العمليات ضد حركة كولن
الحملة الحالية تأتي في سياق ممتد منذ أكثر من عقد. فبعد تحقيقات فساد أواخر عام 2013، التي طالت مسؤولين بارزين ودائرة مقربة من السلطة، اعتبرت الحكومة تلك التحقيقات “محاولة انقلاب قضائي”، وبدأت مسارًا تصاعديًا من المواجهة مع الحركة. وفي عام 2016، صُنفت الحركة رسميًا كتنظيم إرهابي، وتوسعت الإجراءات عقب محاولة الانقلاب الغامضة التي اتهمت أنقرة كولن بالوقوف خلفها، وهو ما نفاه كولن وأتباعه باستمرار.
أرقام تعكس حجم الحملة
تشير أحدث بيانات وزارة العدل إلى أن أكثر من 126 ألف شخص أُدينوا منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالحركة، فيما لا يزال أكثر من 11 ألفًا خلف القضبان. كما تستمر الإجراءات القضائية بحق عشرات الآلاف، مع بقاء نحو 58 ألف شخص تحت التحقيق النشط حتى اليوم، ما يعكس اتساع رقعة الملاحقات واستمراريتها بعد قرابة عقد من الزمن.
تداعيات إنسانية وسياسية
إلى جانب الاعتقالات والأحكام، دفعت الحملة آلاف الأشخاص إلى مغادرة البلاد تفاديًا للملاحقة، في وقت تتواصل فيه عمليات التوقيف والترحيل أو طلبات التسليم في الخارج. وبينما تؤكد الحكومة عزمها مواصلة ما تسميه “مكافحة التنظيم”، يظل الجدل قائمًا حول التوازن بين متطلبات الأمن، وضمانات العدالة، واحترام المعايير القانونية الدولية.
خلاصة
تعكس التوقيفات الأخيرة استمرار النهج الأمني الصارم في التعامل مع ملف حركة كولن، رغم الأحكام القضائية الأوروبية التي تشكك في أسس الاتهام. وبين منطق الدولة الأمنية ومتطلبات سيادة القانون، يبقى هذا الملف أحد أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في المشهد التركي المعاصر.

