أعاد الاشتباك المسلح الذي شهدته ولاية يالوفا شمال غربي تركيا ملف تنظيم «داعش» إلى صدارة المشهد الأمني والسياسي، بعد أن تحولت مداهمة أمنية فجراً إلى مواجهة دامية أسفرت عن مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة وستة من المسلحين، في واحدة من أطول العمليات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة.
العملية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع إعلان الحكومة تكثيف جهودها ضمن ما تصفه بمسار «تركيا بلا إرهاب»، وفي ظل تحركات أمنية استباقية واسعة تحسبًا لهجمات محتملة مع اقتراب احتفالات رأس السنة.
تفاصيل العملية: مداهمة تتحول إلى معركة طويلة
وفق المعطيات الرسمية، داهمت قوات الأمن منزلاً على الطريق المؤدي إلى قرية إلمالك في يالوفا، جنوب إسطنبول على بحر مرمرة، بعد تلقي معلومات عن خلية تابعة لتنظيم «داعش». وخلال الاقتحام، تعرضت القوات لإطلاق نار كثيف، ما أدى إلى اندلاع اشتباك استمر قرابة ثماني ساعات.
الاشتباك أسفر عن مقتل ثلاثة من رجال الشرطة أثناء أداء واجبهم، فيما قُتل ستة مسلحين جميعهم من المواطنين الأتراك. كما أُصيب ثمانية عناصر أمن وحارس أحياء يعمل لصالح الشرطة. وتمكنت القوات من إجلاء خمس نساء وستة أطفال كانوا داخل المنزل دون تسجيل إصابات بينهم.
إجراءات أمنية مشددة وتعطيل الحياة اليومية
مع اتساع نطاق العملية، دفعت السلطات بقوات خاصة من ولاية بورصة المجاورة، وفرضت طوقًا أمنيًا محكمًا على المنطقة. جرى إغلاق الطرق المؤدية إلى موقع الاشتباك، وتعليق الدراسة في خمس مدارس قريبة، إلى جانب قطع التيار الكهربائي والغاز الطبيعي كإجراء احترازي.
وعلى المستوى الوطني، نُفذت مداهمات متزامنة في أكثر من مئة موقع ضمن خمس عشرة ولاية، في إطار حملة أمنية واسعة استهدفت تفكيك شبكات مرتبطة بالتنظيم.
مسار قضائي وتحقيقات متعددة
في أعقاب العملية، أعلن وزير العدل فتح تحقيق رسمي بإشراف مكتب الادعاء العام في يالوفا، مع تكليف خمسة مدعين عامين بمتابعة الملف. كما جرى توقيف خمسة أشخاص على ذمة التحقيق، وسط ترجيحات بتوسع دائرة الملاحقات خلال الأيام المقبلة.
خطاب سياسي تصعيدي وتحميل للخارج
سياسيًا، أثارت العملية ردود فعل حادة، خصوصًا من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الحليف الرئيسي للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي وصف تنظيم «داعش» بأنه أداة بيد قوى «صهيونية–إمبريالية»، معتبرًا الاشتباك محاولة استفزاز مدبرة تستهدف إفشال مشروع «تركيا الخالية من الإرهاب».
بهتشلي ربط الحادثة بما سماه «جبهة عدائية» أطلقت التنظيم داخل تركيا، مؤكدًا أن أي هجوم أو عملية تخريب لن تثني الدولة عن مسارها الأمني والسياسي.
مواقف رسمية ومعارضة متباينة
الرئيس أردوغان قدم تعازيه لعائلات القتلى من رجال الشرطة، مؤكداً استمرار الحرب على التنظيمات المتطرفة داخل البلاد وخارجها. في المقابل، عبّر زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض عن تعازيه وتمنياته بالشفاء للمصابين، دون الدخول في سجال سياسي مباشر.
من جهته، وصف حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي «داعش» بأنه تهديد خطير ليس لتركيا فحسب بل للمنطقة والإنسانية جمعاء، داعيًا إلى موقف وطني موحد في مواجهة التنظيمات المتطرفة.
أما حزب «الخير» القومي المعارض، فاستغل الحادثة للتشكيك في جدوى مبادرة «تركيا بلا إرهاب»، معتبرًا أن الواقع الأمني يناقض الخطاب الرسمي.
ربط بالتصعيد الإقليمي وسوريا
عدد من قادة الأحزاب ذهبوا أبعد من ذلك، إذ ربط رئيس حزب المستقبل الاشتباك بتصاعد التوتر الإقليمي، خاصة في سوريا، وبما وصفه بتدخلات تركز على إسرائيل، معتبرًا عودة نشاط التنظيم داخل تركيا في هذا التوقيت «غير مصادفة».
كما حذر زعيم حزب الظفر من مخاطر شبكات «داعش» النائمة، منتقدًا السياسات التركية في سوريا، ومشيرًا إلى مخاطر أمنية متزايدة مع اقتراب التجمعات الجماهيرية في نهاية العام.
سياق أمني متوتر وتحركات استباقية
العملية في يالوفا جاءت بعد أيام فقط من توقيف أكثر من مئة مشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، ضمن حملة استندت إلى مذكرات توقيف بحق عشرات الأشخاص، بتهمة التخطيط لهجمات تستهدف احتفالات الميلاد ورأس السنة.
وتعيد هذه التطورات التذكير بسجل تركيا الطويل مع هجمات التنظيم خلال العقد الماضي، في ظل حدودها الطويلة مع سوريا، وما يرافق ذلك من تحديات أمنية مستمرة.

