عاد الجدل حول مستقبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى الواجهة بعد تصريحات متعارضة عكست عمق الانقسام في مرحلة يُسوّق لها بوصفها الأكثر جدية لإنهاء الصراع المستمر منذ عقود. فقدّمت باسيه حوزات، القيادية البارزة في الاتحاد الكردستاني للمجتمعات، رؤية ترى أنّ أعضاء الحزب لم يرتكبوا جرائم تستوجب العفو، وأنّ عودتهم إلى تركيا ينبغي أن تكون “طبيعية” ومن دون إجراءات استثنائية.
في المقابل، ظهر موقف دولت بهجلي، زعيم الحركة القومية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، على النقيض تماماً، مؤكداً أنّ العفو غير مطروح، وأنّ الدولة ماضية في إبقاء الملاحقات القانونية والإجراءات العقابية قائمة حتى لو توقفت العمليات المسلحة.
رؤية حوزات: انتقال مباشر من الجبال إلى السياسة
تطرح حوزات تصوراً لمستقبل مقاتلي الحزب يقوم على الاندماج الفوري في العمل السياسي القانوني. وبحسب هذا التصور، يمكن للمقاتل العائد من جبال شمال العراق أن يكون جزءاً من حزب سياسي شرعي، وأن يترشح للبرلمان ويعيش دون سجل جنائي أو وصمة أمنية.
وترفض حوزات مصطلح “العفو”، باعتباره يفترض وجود جريمة، مؤكدة أنّ مقاتلي الحزب — وفق روايتها — لم يرتكبوا ما يستوجب أي عفو، وأنّ عملية ترك السلاح يجب أن تُفهم في سياق تحوّل سياسي لا في إطار تنازل قانوني أمام الدولة.
هذا النهج يعني عملياً المطالبة بإزالة الوصف الجنائي المرتبط بعناصر الحزب، والسماح لهم بخوض العمل المدني والحزبي بلا قيود، مع تغيير تشريعي يواكب المرحلة الجديدة من الحوار غير المعلن بين أنقرة والجهات الكردية.
موقف بهجلي: لا عفو ولا إسقاط للصفة الإرهابية
على الجانب الآخر، يرى بهجلي أن تصريحات حوزات “مستفزة ومنافية للواقع”، مشدداً على أن الجرائم المتعلقة بالإرهاب موثقة ولا يمكن تجاوزها. ويؤكد أن الدولة ليست بصدد تقديم أي عفو، وأنّ ما هو مطروح لا يتجاوز تقييمات فردية قد تسمح بعودة بعض العناصر تحت رقابة مشددة، فيما تبقى ملفات المدانين قائمة، مع احتمال ترحيل بعض القيادات إلى دول ثالثة بدلاً من عودتهم إلى تركيا.
من منظور بهجلي، أي نهاية للصراع يجب أن تُبقي على الاعتراف الرسمي بارتكاب جرائم إرهابية، وأن يحتفظ القضاء بسلطته في الملاحقة والمعاقبة. ويعني ذلك أن وقف إطلاق النار وتسليم السلاح لا يلغي السجل الجنائي ولا يفتح الباب تلقائياً للاندماج السياسي.
مرحلة حساسة: ما بين رسائل إمرالي وتحركات داخل البرلمان
تأتي هذه المواقف المتضاربة في ظل عملية سياسية تُقدّم باعتبارها الأكثر تقدماً منذ سنوات. فقد سبق أن دعا بهجلي العام الماضي عبد الله أوجلان إلى توجيه نداء واضح للحزب بإنهاء العمل المسلح وحل البنية العسكرية، وهو ما استجاب له أوجلان برسالة تؤكد دعم التحول نحو العمل السياسي.
تبع ذلك إعلان الحزب في مؤتمر عقده بإقليم كردستان العراق عن قراره حل نفسه ونزع السلاح، ثم قام قادة ميدانيون بتنفيذ خطوة رمزية عبر إحراق بعض الأسلحة في احتفال قرب السليمانية، قبل إعلان الانسحاب الكامل من الأراضي التركية.
في الداخل التركي، شكل البرلمان لجنة تحت اسم “التضامن والأخوة والديمقراطية”، تضم نواباً من مختلف الأحزاب، ومهمتها إعداد إطار قانوني للتعامل مع عودة المقاتلين ووضع المحكومين في السجون. كما قام وفد من اللجنة بزيارة أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، وسط حديث مقتضب من رئاسة البرلمان عن “تقدم إيجابي” دون تفاصيل إضافية.
غياب خارطة الطريق: مقاتلون بلا ضمانات
رغم التصريحات الرسمية عن تقدم العملية، تشير شخصيات مرتبطة بالحزب إلى غياب إطار قانوني واضح يحدد مصير المقاتلين في المستويات القيادية والمتوسطة والعناصر العائدة. وتخشى هذه الأطراف من سيناريو يقود إلى دخول العائدين السجون بدلاً من الاندماج السياسي، ما يهدد بنسف مسار إنهاء الصراع.
قادة في الحزب تحدثوا لوسائل إعلام دولية عن أن حلّ التنظيم مرتبط بإطلاق سراح أوجلان أو على الأقل بتحسين ظروفه، إضافة إلى وجود ضمانات تمنع الملاحقة اللاحقة للعائدين.
بهجلي يتمسك بالتشدد: تفكيك أولاً ثم رقابة صارمة
في الوقت الذي تتحدث فيه القيادات الكردية عن ضرورة ضمانات سياسية وقانونية، يواصل بهجلي الدفع باتجاه رؤية صارمة تضع تسليم السلاح وإتمام التفكيك على رأس الشروط، فيما يُبقي للدولة حرية تقرير مصير القيادات الميدانية وربما نفي بعضهم إلى دول أخرى.
كما يربط تخفيف ظروف اعتقال أوجلان بتصفية كاملة للحزب ووقف شامل للعنف، في إشارة إلى أن أيّ تنازل أو تغيير في المعادلة لن يحدث قبل اكتمال التفكيك عملياً.
سياق سياسي أوسع: طريق شائك نحو “تركيا بلا سلاح”
تحاول الحكومة تصوير العملية كخطوة نحو “تركيا خالية من الإرهاب”، لكنها تواجه ممانعة قومية كتلك التي يعبّر عنها باهتشلي، إضافة إلى تشكيك كردي بسبب غياب تشريعات واضحة. ويظهر من ملامح الجدل الراهن أن النقاش لا يتعلق بوقف الحرب فقط، بل بمن سيتحكم في تعريف الماضي وكيف ستدار مرحلة ما بعد السلاح: هل هي عودة سياسية بلا شروط أم مراقبة أمنية طويلة الأمد؟

