في تطور يعكس تعمّق الشراكة الاستراتيجية بين أنقرة والرياض، وقّعت تركيا والمملكة العربية السعودية اتفاقاً لإنشاء مشروعين عملاقين للطاقة الشمسية في وسط الأناضول، باستثمار يُقدّر بنحو ملياري دولار، تتولى تنفيذه شركة ACWA Power السعودية.
الاتفاق يمثل إحدى أكبر صفقات الطاقة المتجددة في تركيا، ويأتي في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة تتقاطع فيها أهداف أمن الطاقة، والتحول المناخي، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
من زيارة الرياض إلى توقيع إسطنبول
مراسم التوقيع جرت في قصر مطل على مضيق البوسفور في إسطنبول، في مشهد رمزي يعكس الطابع الرسمي الرفيع للاتفاق.
الخطوة جاءت استكمالاً لاتفاق حكومي ثنائي في مجال الطاقة تم التوصل إليه خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض في الثالث من فبراير، حيث وُضع إطار التعاون الاستثماري بين البلدين في قطاع الطاقة.
وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية أكدت أن الاتفاق الحالي يترجم التفاهمات الحكومية إلى مشاريع تنفيذية على الأرض، بما يعكس تسارع وتيرة التنسيق الاقتصادي بين الطرفين.
تفاصيل فنية: قدرة إنتاجية تكفي ملايين المنازل
بموجب الاتفاق، ستقوم الشركة السعودية ببناء محطتين، قدرة كل منهما ألف ميغاواط، إحداهما في ولاية سيواس والأخرى في منطقة تاش إيلي التابعة لولاية قرمان، ليصل إجمالي القدرة الإنتاجية إلى ألفي ميغاواط.
المسؤولون الأتراك أوضحوا أن الإنتاج المتوقع من المشروعين سيكون كافياً لتلبية احتياجات نحو مليونين ومئة ألف منزل، ما يعزز حصة الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء الوطني.
وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار وصف المشروع بأنه من بين أكبر الاستثمارات في قطاع الطاقة التركي، مشيراً إلى أن الدولة ستشتري الكهرباء المنتجة وفق أدنى أسعار تم التوصل إليها في مشاريع مماثلة داخل البلاد، ما يعكس توجهاً لخفض التكلفة وتحسين كفاءة التعاقدات.
مسار التحول الطاقوي: أرقام وطموحات بعيدة المدى
تؤكد أنقرة أن الطاقة المتجددة باتت تشكل نسبة 62 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة خلال العام الماضي، بعد توسع ملحوظ في مشاريع الشمس والرياح. فقد ارتفعت القدرة المركبة لهذين المصدرين من مستويات شبه معدومة قبل سنوات إلى أكثر من أربعين ألف ميغاواط.
الهدف المعلن يتمثل في رفع هذه القدرة إلى مئة وعشرين ألف ميغاواط بحلول عام 2035، ضمن رؤية أشمل للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2053.
ورغم هذا التقدم، لا تزال معادلة الطاقة التركية تعتمد جزئياً على الفحم، الذي وفر أكثر من ثلث إنتاج الكهرباء خلال العام الماضي. ورداً على الانتقادات المتعلقة باستمرار الاعتماد على الفحم، أشار الوزير بيرقدار إلى أن تركيا تسعى إلى تقليص اعتمادها على واردات الطاقة وخفض الكلفة، موضحاً أن التحول قد يبدأ بإحلال الغاز الطبيعي محل الفحم، على أن تتوسع لاحقاً مساهمة الطاقة النووية.
البعد المناخي: استعداد لاستضافة قمة أممية
يتزامن الإعلان عن الصفقة مع استعداد تركيا لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP31 في مدينة أنطاليا المطلة على البحر المتوسط في وقت لاحق من هذا العام. ووفق الترتيبات المعلنة سابقاً، ستقود أستراليا المفاوضات التحضيرية وأعمال المؤتمر.
في هذا السياق، يُنظر إلى الاتفاق على أنه خطوة عملية تعزز موقع أنقرة قبيل استضافة القمة، وتمنحها زخماً إضافياً في ملف التحول الأخضر، خاصة في ظل التدقيق الدولي المتزايد بشأن التزامات الدول بخفض الانبعاثات.
إعادة صياغة العلاقات التركية السعودية
العلاقات بين أنقرة والرياض شهدت خلال الأعوام الأخيرة تحولاً ملحوظاً نحو التهدئة والتعاون، بعد فترة توتر أعقبت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018.
التقارب الأخير تُرجم إلى زيارات متبادلة واتفاقات استثمارية في مجالات متعددة، ويأتي مشروع الطاقة الشمسية ليؤكد انتقال العلاقة إلى مستوى شراكة استراتيجية في القطاعات الحيوية، بعيداً عن مناخ التوتر السابق.
بين أمن الطاقة وجذب الاستثمارات
يحمل الاتفاق أبعاداً متشابكة؛ فمن جهة، يعزز قدرة تركيا على تنويع مصادرها وتقليل فاتورة الاستيراد، ومن جهة أخرى يوفر للرياض منصة استثمارية في سوق طاقة نامية ذات موقع جغرافي استراتيجي.
كما يعكس المشروع تزاوجاً بين أهداف اقتصادية مباشرة وأهداف مناخية بعيدة المدى، في ظل ضغوط عالمية متزايدة لتسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة.
خلاصة
الاتفاق التركي السعودي في مجال الطاقة الشمسية يشكل محطة مفصلية في مسار التحول الطاقوي التركي ويعكس نضجاً في العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر. المشروع يربط بين أمن الطاقة والاستثمار الأخضر والدبلوماسية الإقليمية، في توقيت يتزامن مع استعداد أنقرة لاستضافة قمة مناخية دولية بارزة.

