يشهد المشهد السياسي التركي حالة جديدة من الجدل عقب تصريحات صادرة عن النائب السابق في حزب العدالة والتنمية شامل طيار، إذ أكد خلال مقابلة تلفزيونية أن عبد الله أوجلان تحدث عن احتمال تنفيذ «عملية داخلية» ضد زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي إذا تعثر «المسار الجديد» المتعلق بالقضية الكردية.
ورغم أن الادعاء غير موثَّق، فإن تداوله أعاد إلى الواجهة أسئلة حساسة بشأن توازنات الدولة وتحالف السلطة ومسار “تركيا بلا إرهاب” الرامي إلى تسوية القضية الكردية المزمنة في البلاد.
وبحسب تحليل المحلل السياسي التركي المعروف ممدوح بيرقدار أوغلو، فإن خطورة هذه الرواية لا تكمن في دقتها بقدر ما تكمن في «الرسائل السياسية» التي قد تحملها، وفي الطريقة التي يمكن أن تُستَخدم بها في الصراع الداخلي بين شبكات النفوذ داخل الدولة.
سياق الادعاء: تصريحات بلا دلائل… وتأثير سياسي واسع
في الفيديو الذي نشره عبر صفحته على يوتيوب، يفيد بيرقدار أوغلو بأن النائب السابق شامل طيار، المنحدر من العالم الصحفي، لم يكن ضمن الوفد البرلماني الذي زار أوجلان سابقاً في سجنه، ولا يملك مصادر مباشرة تتيح الجزم بما قيل خلال الاجتماعات المغلقة. ويرى أن احتمال تَعرّضه للتضليل أو استغلاله في تمرير رسائل سياسية أمر وارد.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول فكرة “انقلاب داخل حزب الحركة القومية” يطرح سؤالاً كبيراً حول خلفيات تسريب مثل هذا الادعاء في توقيت تُناقش فيه الدولة مساراً جديداً بخصوص “تصفير الإرهاب”.
احتمالات التأثير على حزب الحركة القومية وتحالف السلطة
يشير بيرقدار أوغلو إلى أن قبول هذا الادعاء – ولو نظرياً – يعني التفكير في سيناريو بالغ الحساسية؛ فبهجلي هو شريك أساسي في تحالف «الجمهور» الحاكم، ويُنظر إلى حزبه بوصفه “الضمان السياسي” لبنية السلطة الحالية.
ويرى أن أي محاولة لإضعاف زعيم الحركة القومية أو إبعاده، حتى لو جرت داخل الحزب نفسه، قد تفتح الباب أمام انقسامات في الداخل القومي، وتوتر في أجهزة البيروقراطية المرتبطة بالشخصيات المقرّبة من بهجلي، وتصدّعات داخل التحالف الحاكم، واشتداد صراع الأجنحة داخل الدولة.
ويضيف أن مؤسسات حساسة مثل القضاء والأمن والجيش – والتي يُقال إنها تضم عناصر ذات ميول قومية – قد تتأثر مباشرة، ما يعيد تركيا إلى مشهد «الحرب الباردة الداخلية» (بين اليمين واليسار) الذي عرفته في تسعينيات القرن الماضي.
التداعيات المحتملة على الأمن والسياسة الداخلية
يُبرز بيرقدار أوغلو أن أي “عملية داخلية” ضد بهجلي قد تشكل شرارة لاحتقان سياسي واسع، إذ يمكن لتيار القاعدة القومية أن يتجه نحو التعبئة الميدانية. كما قد يتعرض حزب العدالة والتنمية لأزمة مشروعية داخل جمهوره، خصوصاً إذا فُهم أن العملية تمت بمعرفته أو بقبول ضمني منه.
وفي هذا المناخ، تصبح الانتخابات المبكرة احتمالاً واقعياً، وتوازنات البرلمان عرضة للانهيار، والأحزاب المعارضة أمام فرصة سياسية غير متوقعة. ويؤكد بيرقدار أوغلو أن “ضربة من هذا النوع” كفيلة بإعادة صياغة الخريطة السياسية بالكامل.
انعكاسات على «مسار التسوية» والملف الكردي
وفق بيرقدار أوغلو، فإن المفارقة الأساسية تكمن في أن أي عملية لإزاحة بهجلي قد تُقرأ كخطوة لرفع العوائق القومية أمام مسار سياسي جديد، لكنها في الوقت نفسه ستؤدي إلى رد فعل قومي هائل يجعل أي مفاوضات أو مبادرات “مستحيلة”.
فإذا تعززت الحساسية القومية، ستظهر بيئة سياسية يصعب فيها تمرير أي خطاب تصالحي، إذ سيُنظر إلى المسار برمّته على أنه نتيجة “ضغط خارجي” أو “هندسة سياسية”.
مخاطر تفكك التحالف الحاكم وصدام الأجنحة
كما يحذّر بيرقدار أوغلو من أن تفجّر أزمة داخل الحركة القومية قد يُدخل الدولة في صراع واضح بين الكتل البيروقراطية، وهو صراع قد يضيّق هامش حركة الرئيس رجب طيب أردوغان، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة بطرق غير متوقعة.
ويرى أن تركيا قد تواجه عندئذٍ «أكبر اختبار استقرار» منذ سنوات، مع احتمال تصاعد التوتر في الشارع وتزايد الاحتقان داخل المؤسسة السياسية.
الجانب المعتم من الادعاء: حرب رسائل أم محاولة لخلخلة البنية السياسية؟
يعتبر بيرقدار أوغلو أن أخطر ما في القضية هو احتمال أن يكون هذا الكلام – إذا صدر فعلاً عن أوجلان – جزءاً من محاولة لإرباك الدولة، أو توجيه رسائل مباشرة إلى القوميين، أو حتى اختبار قدرة التحالف الحاكم على استيعاب الصدمات السياسية.
ويقول إن مثل هذه التصريحات غالباً ما تكون «أدوات في الصراع البيروقراطي» أو “رسائل بين شبكات النفوذ”، أكثر مما هي معلومات واقعية.
نهاية مفتوحة… ومسار سياسي يُعاد تشكيله
بحسب بيرقدار أوغلو، فإن نجاح المسار الكردي الحالي الذي تُناقشه الدولة مرتبط قبل كل شيء بـ«اتساق بنية السلطة» و«قدرتها على تجنب الصدام الداخلي». ويرى أن الضغوط الدولية والإقليمية تجعل استمرار هذا المسار أمراً مرجحاً، لكنه يقر بأن المشهد الداخلي يبقى محفوفاً بالمخاطر إذا ظهرت محاولات لإعادة تشكيل القيادة داخل الأحزاب الكبرى.
واختتم بيرقدار أوغلو حديثه قائلا: “رجاءً، لا تدعوا اليأس يتسلّل إليكم. فهذه العملية (السلام الكردي) ستنجح، بل هي محكومة بالنجاح. لأن القوى الداعمة لها – مهما عارضها البعض في الداخل – هي من أكبر القوى في العالم. سواء أردنا أم لا، ستصل هذه العملية إلى مبتغاها. وعندما تنجح، لن يبقى في المشهد السياسي التركي لا دولت بهجلي، ولا رجب طيب أردوغان، ولا كمال كليجدار أوغلو، ولا أولئك المحيطون بأردوغان ممن باتوا متأخرين عن تطورات العالم بأربعة عشر قرناً. أليست هذه وحدها مكسباً استثنائياً؟”، على حد تعبيره.

