تزامناً مع تصاعد العمليات العسكرية في مدينة حلب السورية، ولا سيما في الأحياء ذات الغالبية الكردية، شهدت عدة مدن تركية ذات كثافة سكانية كردية تحركات احتجاجية واسعة، عكست امتداد تداعيات الصراع السوري إلى الداخل التركي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
حلب في قلب التصعيد: إنذارات عسكرية ونزوح جماعي
في شمال سوريا، كثّفت القوات التابعة للسلطات السورية المؤقتة عملياتها العسكرية في مدينة حلب، مع تجدد الضربات والتحذير من هجمات وشيكة تستهدف حيّ الشيخ مقصود والأشرفية، وهما من أبرز المناطق ذات الغالبية الكردية في المدينة.
وجاء هذا التصعيد في ظل أوامر إخلاء دفعت أعداداً كبيرة من المدنيين إلى النزوح، في وقت شهدت فيه محافظة حلب موجات تهجير متزايدة نتيجة ما وصفته القوات السورية بـ”عمليات عسكرية مركّزة” ضد مواقع محددة.
وترافقت هذه التطورات مع استمرار الاشتباكات بين القوات السورية من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، وهي قوة كردية تقودها وحدات مدعومة من الولايات المتحدة وتسيطر على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا.
الشارع الكردي في تركيا يتحرك: احتجاجات متزامنة
على وقع هذه الأحداث، خرجت تظاهرات يوم الخميس في مدن تركية عدة، أبرزها دياربكر، وفان، وتونجلي، احتجاجاً على العمليات العسكرية في حلب، وتعبيراً عن التضامن مع السكان الأكراد هناك.
في دياربكر، نُظمت مسيرة احتجاجية بدعوة من الفرع المحلي لـحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وهو الحزب الكردي الأبرز في تركيا. وشارك المئات في المسيرة، حيث جرى تداول مقاطع مصوّرة للحشود عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للحزب.
أما في مدينة فان، فقد تجمع المحتجون في وسط المدينة عند منتصف النهار، في وقفة تضامنية مع أكراد سوريا، رُفعت خلالها شعارات تندد بالتصعيد العسكري وتطالب بوقف الهجمات.
وفي تونجلي، حذّر أوزجان آتش، الرئيس المشترك للحزب في الولاية، من أن العمليات الجارية في حلب تأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع نقاشات سياسية حول دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري النظامي، معتبراً أن التصعيد العسكري قد يُلقي بظلاله السلبية على مساعي السلام داخل تركيا نفسها.
تدخل أمني واعتقالات محدودة
في جنوب شرق البلاد، وتحديداً في قضاء جزرة (جيزره) التابع لولاية شرناق، تدخلت قوات الأمن خلال احتجاج محلي، ما أسفر عن توقيف ثلاثة شبان.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، جاء التدخل بعد محاولة المحتجين الانطلاق في مسيرة عقب تلاوة بيان صحافي أمام مقر حزب المساواة والديمقراطية للشعوب في القضاء، الأمر الذي اعتبرته السلطات خروجاً عن الإطار المسموح به.
إسطنبول على خط الاحتجاج
ولم تقتصر التحركات على المدن ذات الغالبية الكردية، إذ من المقرر تنظيم فعالية احتجاجية مساء الخميس في إسطنبول، حيث دعت منصة المؤسسات الديمقراطية إلى تجمع في ساحة شيشانه عند الساعة السابعة مساءً، يتخلله إلقاء بيان عام حول تطورات الوضع في حلب.
ويعكس هذا الامتداد الجغرافي للاحتجاجات انتقال القضية من بعدها المحلي إلى فضاء سياسي أوسع داخل تركيا.
سياق إقليمي حساس: بين دمشق وواشنطن وأنقرة
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الساحة السورية نقاشات معقدة حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وسط ضغوط متقاطعة بين دمشق، وأنقرة، وواشنطن. فبينما تُطرح فكرة دمج هذه القوات في البنية العسكرية السورية، تتصاعد العمليات الميدانية في مناطق نفوذها، ما يطرح تساؤلات حول جدية المسارات السياسية المطروحة.
أما في الداخل التركي، فإن أي تصعيد عسكري يستهدف مناطق كردية في سوريا غالباً ما ينعكس توتراً سياسياً وأمنياً، خصوصاً في ظل محاولات أنقرة إدارة ملف السلام الداخلي مع الأكراد بحذر بالغ.
خلاصة
التصعيد العسكري في أحياء حلب الكردية لم يبقَ محصوراً داخل الجغرافيا السورية، بل تمددت ارتداداته إلى الداخل التركي عبر احتجاجات واسعة تعكس هشاشة التوازن الإقليمي وتشابك المسارات الأمنية والسياسية بين البلدين.

