خطت تركيا والسعودية خطوة جديدة في مسار تعميق شراكتهما الدفاعية، عبر توقيع مذكرة تفاهم تمهّد للإنتاج المشترك للمروحية التركية متعددة المهام «غوكباي» داخل المملكة، في مؤشر واضح على انتقال العلاقات العسكرية بين البلدين من مستوى التبادل التجاري إلى مستوى التصنيع ونقل التكنولوجيا.
الاتفاق أُبرم على هامش معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض، وجمع بين شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية، ووزارة الاستثمار السعودية، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، ليؤسس لإطار تعاون طويل الأمد يعتمد على توطين الإنتاج وفق احتياجات السوق السعودية العسكرية والمدنية.
إطار الاتفاق: إنتاج محلي مشروط بالطلب
مذكرة التفاهم لا تنص على إنتاج فوري، بل تضع مسارًا تدريجيًا مشروطًا بتقييم السلطات السعودية لحجم الطلب على المروحيات. ووفق الإطار المتفق عليه، ستتولى الجهات السعودية تحديد الاحتياجات التشغيلية، في حين تعمل الشركة التركية مع شريك محلي على تصنيع المروحية داخل المملكة.
الترتيبات المستقبلية ستحدد نطاق الإنتاج وحجمه، مع تركيز واضح على نقل التكنولوجيا وبناء قاعدة صناعية محلية، بما يتماشى مع رؤية سعودية طويلة المدى لتطوير قطاع الصناعات العسكرية.
«غوكباي» ضمن أولويات رؤية السعودية 2030
اختيار مروحية «غوكباي» ينسجم مع توجهات السعودية في إطار رؤية 2030، التي تضع أنظمة المروحيات ضمن القطاعات ذات الأولوية في استراتيجية التوطين الصناعي. المملكة تستهدف رفع نسبة المحتوى المحلي في الصناعات الدفاعية إلى أكثر من النصف، إلى جانب تقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز سلاسل التوريد المحلية.
في هذا السياق، تمثل «غوكباي» خيارًا عمليًا بفضل تصميمها متعدد المهام، وقدرتها على تلبية الاستخدامات العسكرية والمدنية في آن واحد، ما يمنح المشروع جدوى تشغيلية واقتصادية في السوق المحلية والإقليمية.
خصائص المروحية ومسار تطويرها
المروحية « T625غوكباي» هي مروحية خفيفة ثنائية المحركات، طورتها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية ضمن برنامج وطني أطلق في سياق سعي أنقرة إلى تقليص اعتمادها على الموردين الأجانب في قطاع الدفاع.
بدأ البرنامج في العقد الماضي، ونجح النموذج الأولي في تنفيذ أولى رحلاته الجوية بعد سنوات من التطوير. ومع اكتمال مراحل الاختبار، بدأت عمليات التسليم للقوات المسلحة التركية في أواخر عام 2024.
أول مروحية من هذا الطراز سُلّمت إلى قيادة الدرك التركي في احتفال رسمي تزامن مع ذكرى تأسيس الجمهورية، بحضور الرئيس رجب طيب أردوغان، في خطوة حملت رمزية سياسية وصناعية واضحة.
استخدامات متعددة تتجاوز الطابع العسكري
رغم أن «غوكباي» صُممت أساسًا لتلبية الاحتياجات العسكرية، فإن بنيتها التقنية تتيح استخدامها في مجالات مدنية متنوعة، تشمل الإسعاف الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ، والمهام البحرية، إضافة إلى دعم العمليات في المنشآت البحرية والمنصات النفطية.
هذه المرونة التشغيلية كانت عاملًا حاسمًا في قرار التوجه نحو الإنتاج المشترك، لا سيما مع إمكانية تصدير النسخ المنتجة في السعودية إلى دول مجاورة، ما يمنح المشروع بعدًا إقليميًا يتجاوز السوق المحلية.
الاتفاق في سياق تقارب دفاعي أوسع
التفاهم حول «غوكباي» لا يأتي بمعزل عن مسار أوسع من التقارب العسكري بين أنقرة والرياض. خلال الفترة الأخيرة، برزت مؤشرات واضحة على توسيع التعاون ليشمل مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها نقاشات حول استثمار سعودي محتمل في مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس «KAAN».
الرئيس التركي كان قد أشار، عقب مباحثات مع ولي العهد السعودي في الرياض، إلى وجود اهتمام مشترك بدراسة هذا النوع من الاستثمار، وهو ما يُعد، في حال تحققه، من أضخم الشراكات الأجنبية في تاريخ الصناعات الجوية التركية.
من الطائرات المسيّرة إلى الشراكات الصناعية
التعاون الدفاعي بين البلدين شهد تحولًا نوعيًا منذ عام 2023، حين وقّعت السعودية اتفاقًا لشراء طائرات مسيّرة من إنتاج شركة تركية رائدة في هذا المجال. الصفقة وُصفت حينها بأنها الأكبر في تاريخ صادرات الصناعات الدفاعية والجوية التركية، رغم عدم الكشف عن قيمتها المالية.
هذا التطور مهّد الطريق للانتقال من علاقة زبون–مورد إلى علاقة شراكة صناعية، وهو ما يتجسد اليوم في مشروع «غوكباي» والإشارات المتزايدة نحو مشاريع أكثر تعقيدًا وتقدمًا.
دلالات استراتيجية للتقارب الجديد
التعاون في إنتاج المروحيات يعكس تقاطع مصالح واضح بين بلدين يسعيان إلى تعزيز استقلاليتهما الدفاعية، وبناء صناعات محلية قادرة على المنافسة والتصدير. بالنسبة لتركيا، يمثل الاتفاق فرصة لتوسيع حضورها كمصدّر للتكنولوجيا الدفاعية، وللسعودية يشكل خطوة إضافية نحو بناء قاعدة صناعية متقدمة تدعم أهداف التنويع الاقتصادي.
خلاصة
اتفاق الإنتاج المشترك لمروحية «غوكباي» يؤشر إلى انتقال العلاقات التركية–السعودية إلى مرحلة الشراكة الصناعية الدفاعية، مع تركيز على التوطين ونقل التكنولوجيا. هذا المسار قد يفتح الباب أمام مشاريع استراتيجية أوسع في الصناعات الجوية والعسكرية خلال السنوات المقبلة.

