تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب عام 2026، في ظل تراكب أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية باتت تهدد بنية الدولة نفسها. ما يجري اليوم لم يعد احتجاجًا عابرًا أو موجة غضب مؤقتة، بل تطورًا بنيويًا ينذر بإمكانية تحوّل الاحتجاجات إلى مسار ثوري شامل، تقوده الضرورات المعيشية أكثر مما تحركه الشعارات السياسية أو الأيديولوجية.
اللافت في المشهد الإيراني الراهن أن أدوات الضبط التقليدية، التي نجحت سابقًا في احتواء الغضب الشعبي، لم تعد تُنتج الأثر نفسه. فحين يصبح الانهيار الاقتصادي هو المحرّك الأساسي، تفقد السلطة قدرتها على التحكم بإيقاع الشارع، مهما بلغت قوة الأجهزة الأمنية.
من مهسا أميني إلى أزمة الخبز: ما الذي تغيّر؟
شهدت إيران قبل سنوات واحدة من أوسع موجات الاحتجاج عقب مقتل مهسا أميني، غير أن تلك الاحتجاجات، رغم اتساعها، لم تنجح في التحول إلى ثورة شاملة. السبب الجوهري كان غياب كتلة اجتماعية حاسمة عن المشهد، وتحديدًا الطبقة الوسطى، وتجار الأسواق التقليدية، وشرائح دينية واجتماعية ظلّت مترددة أو محايدة.
اليوم، يختلف المشهد جذريًا. الاحتجاجات الأخيرة انطلقت من قلب النشاط الاقتصادي، من تجار البازار الكبير في طهران، احتجاجًا على الانهيار السريع للعملة وغلاء المعيشة، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى، وتتحول إلى إضرابات شاملة شلّت الحركة التجارية. هذا التحول يشير إلى أن الفئات التي كانت تمثل سابقًا صمام أمان للنظام، باتت في صدارة الغضب الشعبي.
اقتصاد ينهار ودولة تفقد قدرتها على الصمود
يشكّل الانهيار الاقتصادي العامل الأكثر حسما في المشهد الحالي. العملة الإيرانية تواصل فقدان قيمتها بوتيرة متسارعة، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية، وتتسع الفجوة بين الطبقات، وتتراجع قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها الأساسية. هذا التآكل المالي لا ينعكس فقط على معيشة المواطنين، بل يضرب في عمق قدرة الدولة على إدارة الأزمات وشراء الولاءات أو احتواء الغضب.
في مثل هذه الظروف، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سيادية، حيث تصبح مؤسسات الدولة أقل فاعلية، والإدارة أكثر هشاشة، والشرعية موضع تساؤل متزايد.
اكتمال ملامح “الأزمة البنيوية”
تتوافر في الحالة الإيرانية الراهنة عناصر ما يُعرف بالأزمة البنيوية التي تسبق التحولات الكبرى. الاقتصاد يعاني من انهيار فعلي، الجهاز الإداري يظهر علامات عجز واضح، والتحالف الاجتماعي المعارض يتسع ليشمل فئات لم تكن جزءًا من الاحتجاج سابقًا. هذا التلاقي بين الأزمة الاقتصادية والتفكك الإداري واتساع قاعدة الغضب الشعبي يجعل احتمالات التصعيد أكثر واقعية من أي وقت مضى.
إلى جانب ذلك، يلاحظ أن الدولة تتعامل مع الاحتجاجات الحالية بقدر أقل من العنف المباشر مقارنة بموجات سابقة، وهو ما قد يساهم في توسيع رقعة الاحتجاج بدل احتوائها، مع تراجع عامل الخوف.
البعد الإقليمي والأمني: الاحتجاج يتجاوز الداخل
أحد التطورات اللافتة يتمثل في إعلان حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، المرتبط بحزب العمال الكردستاني، دعمه العلني للاحتجاجات. هذا الموقف يفتح الباب أمام تدويل جزئي للأزمة، وربطها بالسياق الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل التداخل العرقي والجغرافي على الحدود الإيرانية.
في الوقت نفسه، تتعرض إيران لضغوط خارجية متزايدة. العقوبات الاقتصادية المستمرة، والتهديدات الأمنية، والتصعيد السياسي من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، كلها عوامل تزيد من إنهاك النظام. التلويح بإمكانية توجيه ضربات جديدة في المرحلة المقبلة، بذريعة الملف النووي، يضع الاحتجاجات الاقتصادية في سياق أمني بالغ الخطورة.
إيران كنموذج قابل للتكرار
ما يجري في إيران لا يمكن فصله عن سياق أوسع شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين. أنظمة عديدة نجت من موجات احتجاج عبر القمع أو التعبئة الأيديولوجية أو شراء الولاءات، لكنها لم تعالج جذور الأزمة. الجديد اليوم هو أن الخصم لم يعد الشارع السياسي فقط، بل الانهيار الاقتصادي، وهو عامل لا يمكن قمعه ولا احتواؤه بالشعارات.
حين تفقد الطبقة الوسطى قدرتها على العيش الكريم، تتحول من عنصر استقرار إلى محرك للاحتجاج. وحين تفقد الفئات الفقيرة قيمة المساعدات أمام التضخم، تسقط آخر أدوات الضبط الاجتماعي. في هذه اللحظة، تصبح السيطرة الأمنية محدودة الأثر، ويغدو الشارع غير قابل للضبط.
التداعيات المحتملة على تركيا
أي تحوّل جذري أو انفجار واسع في إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها. التجربة الإقليمية تُظهر أن الأزمات الكبرى تنتقل بتأثيراتها السياسية والنفسية إلى الدول المجاورة. تركيا، بحكم الجغرافيا والتشابك الإقليمي، قد تتأثر سياسيًا وأمنيًا، على غرار ما حدث خلال موجات الربيع العربي.
الاقتصاد أقوى من السلاح
الدرس الأبرز الذي تفرضه الحالة الإيرانية يتمثل في أن الأيديولوجيا تفقد قدرتها على الإقناع حين تجوع الشعوب، وأن القوة تفشل حين تصبح الحاجة وجودية. ما لم تحققه المعارضة السياسية قد يفرضه الجوع، وما لم تنجزه الثورات قد يفرضه التضخم والانهيار المالي.
الأنظمة التي تراهن على القمع وحده قد تكتشف متأخرة أن الاقتصاد المنهار خصم لا يُهزم، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى إلا على عدالة اقتصادية تسبق أي هندسة أمنية.
خلاصة
إيران تقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع أزمة اقتصادية خانقة مع توسع الاحتجاجات وتراجع قدرة الدولة على الضبط. ما يحدث اليوم قد لا يبقى استثناءً، بل نموذجًا لتحولات أوسع في المنطقة إذا استمرت الأزمات دون حلول جذرية.

