يرى المحلل السياسي التركي أمره أوسلو أن النظام الإيراني يمر بمرحلة حرجة غير مسبوقة منذ ثورة 1979، وأن المؤشرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تشير إلى اقتراب تحول جذري في الداخل الإيراني خلال عام 2026.
ويعتقد أوسلو، الذي سبق أن عمل أستاذا في أكاديمية الشرطة بتركيا، أن التغيير المحتمل لن يكون محض صدفة داخلية، بل نتيجة مباشرة لحسابات دولية تتعلق بموازين الطاقة والتحالفات الجيوسياسية الجديدة، مع تركيز خاص على علاقة الولايات المتحدة بالصين.
الأساس الاقتصادي للأزمة: المعركة على الطاقة
يربط أوسلو بين مستقبل النظام الإيراني والمنافسة الاقتصادية الأميركية الصينية. فبحسب تحليله، فإن الصين تعتمد اعتماداً كبيراً على النفط الرخيص القادم من إيران وفنزويلا، إذ يغطي البلدان معاً ما يقارب ربع احتياجاتها النفطية. هذا الاعتماد يمنح الصين ميزة كبرى في خفض التكلفة الصناعية وتعزيز قدرتها التنافسية عالمياً، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لهيمنتها الاقتصادية.
من هذا المنطلق، يرى أوسلو أن واشنطن تعمل على حرمان بكين من هذا الامتياز عبر السيطرة بشكل مباشر أو غير مباشر على منابع النفط في كلٍّ من فنزويلا وإيران. ومع نجاحها خلال الأعوام الأخيرة في فرض نفوذها على كاراكاس، يبقى الملف الإيراني الحلقة الأهم لتحقيق استراتيجية “الخنق البطيء” للاقتصاد الصيني.
النفط كورقة تفاوض في الصراع الأميركي الصيني
يشير أوسلو إلى أن الإدارة الأميركية – بزعامة دونالد ترامب منذ عودته إلى السلطة – تسعى إلى فرض اتفاق جديد مع الصين حول تجارة “العناصر الأرضية النادرة” التي تعد أساسية في الصناعات التكنولوجية. ولإجبار بكين على القبول بشروط واشنطن، يحاول ترامب الدخول إلى طاولة المفاوضات وفي يده أوراق ضغط طاقويّة حاسمة، من بينها التحكم في النفط الإيراني والفنزويلي.
ويُتوقع أن يستغل ترامب انتهاء اتفاق مؤقت سابق مع بكين حول تصدير تلك المعادن – الذي وُقّع في أكتوبر 2025 – ليعيد التفاوض في أبريل أو مايو المقبلين، حاملًا معه أوراقاً جديدة نابعة من إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية.
إيران هدف استراتيجي لا غنى عنه
يرى أوسلو أن قدرة الصين على التحايل على العقوبات الأميركية من خلال استيراد النفط الإيراني بشكل غير معلن تمثل الثغرة الأخيرة التي تسعى واشنطن إلى إغلاقها قبل الربيع القادم. فبمجرد أن تسيطر الولايات المتحدة على القرار النفطي في طهران، بشكل مباشر أو عبر نظام حليف، ستتمكن من التحكم بما يقارب نصف واردات الصين النفطية عندما تُضاف إليها حصص السعودية والعراق اللتين أصبحتا أقرب إلى واشنطن من أي وقت مضى.
هذا النجاح سيجعل الصين – وفق رؤية أوسلو – مضطرة إلى قبول صفقات غير متكافئة في موارد الطاقة والمعادن لتحقيق توازن اقتصادي مؤقت، وهو ما يعتبره ترامب نموذجاً كلاسيكياً لاستراتيجيته التفاوضية المعروفة بـ “فنّ الصفقة”.
ملامح التدخل المتوقع: من الداخل إلى الخارج
في تحليله للمشهد الإيراني، يرى أوسلو أن المتغير الحاسم خلال الأشهر المقبلة سيكون شكل التدخل الأميركي أو الإسرائيلي. فإما أن تحدث انتفاضة داخلية بتأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، أو أن تُنفَّذ عملية مركزة تستهدف رأس النظام، على غرار ما جرى في فنزويلا عند إسقاط هيمنة مادورو السياسية لصالح قوى أقرب إلى الغرب.
ويضيف أن هذه العمليات لا تُقرأ في البعد الأيديولوجي بين “الشيعية” و”الصهيونية” كما يروّج البعض، بل ضمن منطق استراتيجي بحت هدفه النهائي احتواء الصين ومنعها من الوصول إلى مصادر الطاقة بأسعار منخفضة.
إسرائيل في المعادلة: اليد الضاربة
يرجّح أوسلو أن تلعب إسرائيل الدور التنفيذي المباشر في أي حملة ضد طهران، باعتبارها الفاعل الأكثر استعداداً في الميدان. فعملياتها الاستخبارية في الداخل الإيراني، واستعدادها الدائم للتحرك عسكرياً، يجعلان منها رأس الحربة في تنفيذ الجزء العسكري من المخطط الأميركي الأكبر.
ويشير إلى أن تل أبيب ستستفيد بدورها من أي تغيير في طهران لدفعها إلى اتفاق تطبيع جديد على غرار “اتفاقات أبراهام”، وربما تكون إيران المضطرة قريباً لتوقيع أحد هذه الاتفاقات في حال وُضعت تحت ضغط اقتصادي وعسكري شامل.
الصين بين العجز والمراقبة
في المقابل، لا يتوقع أوسلو أن تتدخل الصين عسكرياً للدفاع عن إيران، مذكّراً بأن بكين لم تُبدِ أي رد الفعل في الأزمة الفنزويلية رغم خسارتها المباشرة هناك. ويستبعد أن تملك القدرة على خوض مواجهة عسكرية بعيدة عن مجال نفوذها الآسيوي في وقت لا تزال فيه تعتمد على استقرار نظام الطاقة العالمي.
وينوه إلى أن الخيارات الصينية تنحصر حالياً في تعميق التعاون مع روسيا، أو البحث عن بدائل طاقة في آسيا الوسطى وأفريقيا، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بسرعة كافية لتجنب الأزمة إذا فرضت واشنطن سيطرتها الكاملة على النفط الإيراني.
تركيا وموقعها من التحولات
يرى أوسلو أن السياسة التركية تحركت خلال العقد الأخير بمرونة محسوبة بين موسكو وواشنطن، وأن أنقرة تحاول اليوم تثبيت توازن جديد يتماشى مع تراجع النفوذ الروسي وصعود الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
ويعتبر أن سقوط النظام الإيراني سيعني الاقتراب من “نقطة تحول” تعيد رسم خريطة التحالفات، فروسيا حينها ستكون مضطرة للميل نحو الصين أكثر، بينما قد تحاول واشنطن إغراء موسكو بحوافز في أوكرانيا لتفكيك هذا التقارب.
البعد الداخلي الإيراني: هشاشة النظام
يُبرز أوسلو ضعف النظام الإيراني الحالي نتيجة الاحتجاجات المتكررة، والضغوط الاقتصادية، وتآكل الشرعية الثورية. ويرى أن هناك استعداداً داخل بعض النخب الإيرانية للتوصل إلى “تسوية من فوق” مع واشنطن لتجنب انهيار شامل.
ويؤكد أن الخيار الوحيد أمام طهران هو القبول بصفقة تحفظ ما تبقى من الدولة مقابل التنازل عن السيطرة الكاملة على قطاع الطاقة، وإلا فإن البديل هو تفجير داخلي سيقوده الشارع والإكراه الخارجي معاً.
شهور حاسمة أمام طهران
يلخّص أوسلو موقفه بالقول إن الأشهر القليلة المقبلة، حتى نهاية الربيع 2026، ستكون مصيرية للنظام الإيراني. فواشنطن تسابق الزمن قبل موعد قمة ترامب – شي المرتقبة لتقديم إنجاز استراتيجي يغيّر موقعها التفاوضي. وأي تأخير في إنجاز هذا التحول قد يُضعف موقفها أمام الصين في مفاوضات المعادن النادرة.
من هنا، يرى أوسلو أن العدّ التنازلي في طهران قد بدأ فعلاً، وأن السيناريو الأكثر واقعية هو إما تغيير ناعم عبر تسوية سياسية برعاية أميركية، أو تحرك مركّز على غرار السيناريو الفنزويلي، تكون نتيجته المباشرة خضوع موارد إيران لرقابة واشنطن.
الخلاصة
الهدف الأميركي في إيران ليس إسقاط نظام بعينه بل إعادة ضبط سوق الطاقة العالمية في مواجهة الصعود الصيني. وطهران تبدو الآن أضعف من أن تصمد في مواجهة هذه الحسابات.

