تكشف نتائج استطلاع رأي حديث عن تغيرات لافتة في التوازنات السياسية التركية، إذ أظهر تقدم رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو على الرئيس رجب طيب أردوغان بفارق يقارب ستة عشر نقطة مئوية في سيناريو جولة رئاسية ثانية افتراضية تُجرى في الوقت الراهن. هذا التقدم، رغم وجود إمام أوغلو خلف القضبان، يعكس حالة استقطاب حاد وإعادة تموضع داخل الكتلة الناخبة.
إمام أوغلو في الصدارة رغم السجن
بحسب نتائج استطلاع لشركة “جوندمار” التركية، حاز إمام أوغلو على ما يزيد عن نصف الأصوات في مواجهة مباشرة مع أردوغان، مقابل نسبة أقل للرئيس الحالي. ويأتي ذلك في وقت يُحتجز فيه رئيس بلدية إسطنبول في سجن مرمرة بسيلفري على ذمة محاكمة تتعلق باتهامات فساد، تصفها المعارضة بأنها ذات دوافع سياسية، في حين تنفي الحكومة أي تدخل سياسي في المسار القضائي.
سيناريو بديل: منصور ياواش بفارق أكبر
لم يقتصر الاستطلاع على اسم إمام أوغلو، بل اختبر أيضاً فرضية ترشح رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، وهو أحد أبرز وجوه حزب الشعب الجمهوري. وأظهرت النتائج أن ياواش يتقدم على أردوغان بفارق أوسع، ما يعزز داخل المعارضة فكرة امتلاك أكثر من خيار تنافسي قوي في أي استحقاق رئاسي مقبل، في حال تعذر مشاركة إمام أوغلو.
حزب الشعب الجمهوري بين الحسم والمناورة
كان حزب الشعب الجمهوري قد أعلن إمام أوغلو مرشحاً رئاسياً له عقب انتخابات تمهيدية داخلية جرت في يوم اعتقاله، في خطوة رمزية حملت رسائل سياسية واضحة. ومع ذلك، لا يخفي الحزب أنه يدرس بدائل محتملة إذا ما مُنع إمام أوغلو قانونياً من خوض السباق، في ظل تعدد القضايا المرفوعة ضده.
البرلمان يعكس فجوة متقدمة للمعارضة
على صعيد نوايا التصويت البرلماني، حافظ حزب الشعب الجمهوري على موقعه كالقوة الأولى، متقدماً على حزب العدالة والتنمية الحاكم بفارق يقارب خمس نقاط بعد توزيع أصوات المترددين. ورغم تسجيل الحزب المعارض تراجعاً طفيفاً مقارنة بالاستطلاع السابق، فإن المشهد العام لا يزال يشير إلى تفوق نسبي مستقر.
استقرار بلا اختراق: توصيف مرحلة سياسية جديدة
يشير القائمون على الاستطلاع إلى أن النتائج المتراكمة منذ منتصف عام 2025 لا تظهر تقلبات حادة بين معسكري الحكم والمعارضة، بل تعكس ما يمكن وصفه بتوازن سياسي جديد. فالحكومة ما تزال تستند إلى قاعدة انتخابية صلبة، لكنها تواجه صعوبة واضحة في توسيعها. في المقابل، يستفيد حزب الشعب الجمهوري من حالة إنهاك عام وتذمر شعبي أكثر مما يستفيد من موجة تعبئة اجتماعية واسعة.
كتلة المترددين والاحتجاج الصامت
تُظهر البيانات أن شريحة الناخبين المترددين أو الذين يصوتون لأحزاب أخرى بدافع الاحتجاج لا تزال عنصراً حاسماً في المعادلة السياسية. هذه الكتلة، التي لا تنخرط بالكامل في أي معسكر، تشكل خزّاناً انتخابياً يمكن أن يرجّح الكفة في أي مواجهة مستقبلية.
تراجع لافت لحليف أردوغان القومي
من أبرز مفاجآت الاستطلاع الانخفاض الحاد في شعبية حزب الحركة القومية، الشريك الأساسي للعدالة والتنمية في البرلمان، حيث هبطت نسبة دعمه إلى مستوى متدنٍ مقارنة بالاستطلاع السابق. هذا التراجع يطرح تساؤلات حول متانة التحالف الحاكم وقدرته على الحفاظ على تماسكه الانتخابي حتى موعد الانتخابات المقبلة.
سياق أمني وقضائي ضاغط على المعارضة
تأتي هذه النتائج في ظل حملة واسعة تستهدف حزب الشعب الجمهوري منذ خريف عام 2024، عقب فوزه بإسطنبول وأنقرة ومدن كبرى أخرى، وحصوله للمرة الأولى منذ عقود على أعلى نسبة تصويت وطنية. تقارير الحزب توثق موجات اعتقال وتحقيقات يعتبرها مسيّسة، إضافة إلى تعيين أوصياء حكوميين في بلديات تابعة له، مع استمرار اعتقال عدد من رؤساء البلديات، واشتداد الإجراءات بعد توقيف إمام أوغلو.
إمام أوغلو كرمز للضغط السياسي
تُعد القضايا المتعددة المرفوعة ضد رئيس بلدية إسطنبول، بما في ذلك أحكام سجن صدرت بحقه بتهم تتعلق بإهانة مسؤولين انتخابيين ومدعٍ عام، المثال الأبرز – وفق توصيف المعارضة – على استخدام القضاء كأداة ضغط سياسي، في وقت تتحول فيه قضيته إلى عنصر تعبئة انتخابية داخل الشارع المعارض.
خلاصة
تُظهر نتائج الاستطلاع أن المعارضة التركية تتقدم انتخابياً حتى في ظل القيود القضائية والأمنية، وأن شخصيات معتقلة أو مهددة بالإقصاء لا تزال قادرة على منافسة أردوغان بقوة. ومع اقتراب استحقاق 2028، يبدو المشهد السياسي متجهاً نحو صراع طويل تحكمه حالة توازن هش واستياء شعبي متراكم.

