في تطوّر سياسي لافت يعكس حجم التوتر داخل الساحة التركية، اتهم رئيس بلدية إسطنبول الموقوف، أكرم إمام أوغلو، الحكومة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان بأنها سجنته بدافع الخوف من ترشحه المحتمل لرئاسة الجمهورية، والذي كان من شأنه، بحسب تعبيره، أن يُنهي حكم حزب العدالة والتنمية الذي يتولّى السلطة منذ أكثر من عقدين.
توقيت الاعتقال يثير الجدل
وقد تم توقيف إمام أوغلو في 19 مارس، أي قبل أيام قليلة من موعد الانتخابات التمهيدية الرمزية التي نظّمها حزب الشعب الجمهوري المعارض لاختيار مرشحه لرئاسيات 2028. ورغم اعتقاله، أُجري التصويت في 23 مارس كما كان مقرراً، وشهد مشاركة قياسية بلغت 15.5 مليون ناخب، من بينهم 1.5 مليون من الأعضاء المسجلين في الحزب، فيما فُتح التصويت للجمهور العام، وهو ما يُعد مؤشراً على الدعم الواسع الذي يحظى به إمام أوغلو على الصعيد الشعبي.
رسالة من السجن: اتهامات بتوظيف القضاء لتصفية الخصوم
وفي رسالة وجهها من سجن سيليفري، حيث يُحتجز على ذمة التحقيق في قضايا فساد، قال إمام أوغلو: “لقد سُجِنتُ بناءً على حكم قضائي أُسّس على مزاعم باطلة قدّمها ما يُسمّى بشهود سريين. لقد أُودعتُ السجن لأنهم أدركوا أن ترشحي للرئاسة، الذي يحظى بدعم 15.5 مليون مواطن، كان يعني نهاية حكمهم”.
ووجّه انتقادات حادّة لاستغلال القانون كأداة لإقصاء الخصوم السياسيين، مؤكداً أن تأخّر العدالة يعني إنكارها، وقال: “العدالة المتأخرة هي عدالة مرفوضة”.
تضامن مع خصوم آخرين في السجن
وفي سياق متصل، عبّر إمام أوغلو عن تضامنه مع السياسي المعارض أوميت أوزداغ، زعيم حزب النصر المناهض للاجئين، والمحتجز في نفس السجن منذ أواخر يناير، بتهمة التحريض على الكراهية بسبب خطاب انتقد فيه الحكومة بشدة.
وأشار إمام أوغلو إلى أن أوزداغ انتظر 77 يوماً للحصول على لائحة اتهام لم تتجاوز تسع صفحات، في وقت لم يُحدّد فيه موعد جلسته الأولى إلا بعد شهرين من إعداد اللائحة، متسائلاً:
“أي عدالة هذه؟”.
وأكد أن كلاهما يدفعان ثمن انخراطهما في العمل السياسي المعارض، مبرزاً أن التوقيفات السياسية تقوّض دولة القانون.
انتقاد حظر تصدير الطائرات الألمانية لتركيا
وفي موقف لافت من داخل السجن، علّق إمام أوغلو على قرار الحكومة الألمانية بمنع تصدير 30 مقاتلة Eurofighter Typhoon إلى تركيا، في إطار صفقة أوسع تشمل 40 طائرة، كانت أنقرة تسعى لشرائها من ألمانيا وبريطانيا.
وخاطب الحكومة الألمانية الجديدة قائلاً: “تركيا ليست أردوغان وحده؛ تركيا أكبر من أردوغان. الحكومات تأتي وتذهب، لكن المصالح الوطنية لتركيا أهم من مصالح أردوغان ومصالحي الشخصية”.
ودعا برلين إلى إعادة النظر في قرارها، مشدداً على أن تركيا ما بعد أردوغان ستكون شريكاً ملتزماً بأسس الديمقراطية وسيادة القانون، وستعمل على الاندماج الكامل في الاتحاد الأوروبي.
خلفيات أوسع: قلق من صعود إمام أوغلو وتآكل استقلال القضاء
يُعد إمام أوغلو أحد أبرز الشخصيات السياسية المعارضة في تركيا، وسبق له أن ألحق هزيمتين متتاليتين بحزب العدالة والتنمية في انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019، الأمر الذي اعتُبر ضربة قوية لأردوغان وحزبه. ويرى مراقبون أن اعتقاله، في توقيت انتخابي حسّاس، يعكس الخوف المتنامي داخل أروقة السلطة من تحوّله إلى مرشح رئاسي وازن يمكن أن يُنهي هيمنة العدالة والتنمية على المشهد السياسي.
في المقابل، لم تُقدّم الحكومة التركية بعد أي توضيحات مفصّلة حول التهم الموجهة إليه، بينما يثير الصمت القضائي والتأخير في الإجراءات مخاوف متزايدة بشأن استقلال القضاء التركي، الذي تتهمه المعارضة منذ سنوات بأنه أصبح أداة بيد السلطة التنفيذية.

