أثار قانون إصلاح السجون الجديد الذي أقره البرلمان التركي الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، بعد أن استثنى بشكل واضح المعتقلين السياسيين من أحكام الإفراج المشروط وتوسيع نطاق الإقامة الجبرية.
ورغم أن القانون يُروّج له بوصفه خطوة نحو التخفيف من اكتظاظ السجون، إلا أن عائلات سجناء الرأي عبّرت عن استيائها مما اعتبرته تمييزاً صارخاً وظلماً ممنهجاً، بحسب تقرير لمركز ستوكهولم للحرية.
تفاصيل التشريع الجديد: الإفراج المشروط والمحددات
القانون الذي أتى ضمن “الحزمة القضائية العاشرة” التي أعدّها حزب العدالة والتنمية الحاكم، أدخل تعديلات على تسعة قوانين مختلفة، وركّز على تخفيف الاكتظاظ وتحقيق التوازن بين العقوبة والتنفيذ.
من أبرز مواده:
- تنفيذ فعلي للأحكام التي تقل عن سنتين في القضايا التي أثارت “غضباً عاماً”.
- توسيع نطاق الإقامة الجبرية للمسنين والنساء والمرضى.
- الإفراج المشروط عن نحو19,800 سجين من أصحاب السوابق.
- تمكين ما بين1,500 و2,000 سجين من الإقامة المنزلية لأسباب إنسانية أو طبية.
- السماح للسجناء فوق سن 70 بالإقامة الجبرية لمدة تصل إلى 4 سنوات، وفوق 75 لمدة 5 سنوات، وفوق 80 حتى 6 سنوات.
- زيادة فترة الإقامة الجبرية للنساء والقاصرين ومن تجاوزوا 65 عاماً من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات.
العائلات تحتج: المرضى وكبار السن خارج الحسابات
رغم هذه التسهيلات، جاءت ردود الأفعال غاضبة من عائلات المعتقلين السياسيين، الذين اعتبروا أنفسهم مستبعدين عمداً من فرص الإفراج، رغم انطباق الشروط الإنسانية عليهم.
بُكيت توران، زوجة المعتقل أمره توران، قالت: “زوجي لم يُفرج عنه، وكذلك مسنّ في زنزانته يعاني من مرض في القلب… من أُطلق سراحه إذن؟ ليس كل المرضى والمسنين”.
أمره توران، المعتقل منذ 2023 بتهمة الانتماء لحركة “الخدمة”، يعاني من السرطان الناجم عن التهاب القولون التقرحي.
قضية إبراهيم غونغور: ألزهايمر خلف القضبان
سعداء غونغور ناشدت بإطلاق سراح والدها إبراهيم غونغور (72 عاماً) المصاب بمرحلة متقدمة من الزهايمر، والمعتقل منذ ديسمبر 2024، بعد تأكيد حكم قضائي بسجنه أكثر من 8 سنوات بسبب استضافة لقاءات دينية وجمع تبرعات للطلبة ضمن أنشطة حركة الخدمة التعليمية والدينية. “أبي لم يعد قادراً حتى على الحديث معنا أثناء الزيارة. هل إبقاؤه في السجن يجعل تركيا أكثر أماناً؟”، تساءلت ابنته.
الرضع والحوامل في الزنازين: انتهاك مضاعف
الصحفية سيفينج أوزارسلان نشرت سلسلة من التغريدات على منصة “إكس”، تناولت فيها حالات شديدة القسوة، منها أوزلم دوزنلي، وهي أم لطفل رضيع يبلغ من العمر ستة أشهر، تقبع معه في زنزانة بعد الحكم عليها بالسجن قرابة 7 سنوات، وخديجة دوغرو، وهي حامل في شهرها الخامس ومصابة بخلل في نظم القلب، معتقلة في زنزانة مزدحمة مع 30 امرأة أخرى، رغم المخاوف الصحية الجدية من تعرضها لمضاعفات، وذلك بنفس التهم المتعلقة بحركة الخدمة.
حكاية العائلة المفككة: خمسة توائم بلا والدين
أوزارسلان أوردت أيضاً حالة نورجان وعبد القادر أرسلان، الوالدين لستة أطفال بينهم خمسة توائم، واللذين يقضيان أحكاماً بالسجن تفوق 9 سنوات و6 سنوات على التوالي، في قضايا تتعلق بالعمل في مؤسسات تربوية مرتبطة بحركة الخدمة.”أطفالهما يعيشون في قرية مع الأقارب، وينتظرون عودة والديهم”، قالت الصحفية في تغريدة مؤثرة.
البعد السياسي: استثناء بقانون
القانون يستثني بوضوح السجناء المدانين بـ”جرائم إرهاب”، وهو توصيف طالما وُجّه لمنتمين إلى حركة “الخدمة” أو معارضين سياسيين في غياب أي أدلة على استخدام العنف، ما يعكس استمرار استخدام قانون مكافحة الإرهاب بشكل فضفاض لقمع الأصوات المعارضة، بحسب منظمات حقوقية دولية.
وقد تزامن تمرير هذا القانون مع تصاعد حملات الاعتقال، سواء بحق معارضين على خلفية احتجاجات ضد سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أو ضد أفراد يشتبه بانتمائهم للحركة التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن.
استهداف الحركة منذ أكثر من عقد
منذ عام 2013، بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حملة استهداف ممنهجة ضد أتباع حركة الخدمة، وذلك بعد أن كشفت تحقيقات فساد حينها تورط وزراء حكومته، إلى جانب عدد من أفراد أسرته والمقربين منه.
أردوغان اعتبر تلك التحقيقات محاولة انقلابية، زاعما أن الحركة دبر مؤامرة لإسقاط حكومته، ما دفعه إلى اتخاذ خطوات تصعيدية ضدها. وفي مايو 2016، صنّفت حكومته الحركة كمنظمة إرهابية، وازدادت حملة القمع بشكل ملحوظ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من نفس العام، والتي حمّل أردوغان مسؤوليتها للحركة. في المقابل، ترفض الحركة هذه الاتهامات بشكل قاطع، وتنفي أي صلة لها بمحاولة الانقلاب أو بأي أنشطة إرهابية.

