في ظل تصاعد التوترات الأمنية في أوروبا واستمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، أكّد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أن تركيا تمثل “حليفًا مهمًا جدًا” و”صديقًا” داخل حلف شمال الأطلسي، مشددًا على أن أهميتها ازدادت في المرحلة الراهنة مقارنة بالسنوات السابقة.
وجاءت تصريحات بيستوريوس خلال مؤتمر صحفي عُقد على هامش مناورات “Steadfast Dart 26” التابعة لحلف شمال الأطلسي، والتي أُقيمت في منطقة بوتلوس قرب مدينة كيل الساحلية شمال ألمانيا.
أكبر تمرين للحلف هذا العام
المناورات، التي تُعد الأكبر للحلف خلال العام الجاري، جمعت نحو عشرة آلاف جندي من إحدى عشرة دولة أوروبية عضوًا في الناتو. وتهدف إلى اختبار قدرة الحلف على نقل قواته بسرعة عبر أراضي الدول الأعضاء في حالات الطوارئ، بما يعزز الجاهزية والردع في مواجهة أي تهديد محتمل.
ألمانيا تستضيف التدريبات في إطار ما تصفه قواتها المسلحة، البوندسفير، بدور البلاد كمركز لوجستي رئيسي للحلف، استعدادًا لسيناريوهات قد تستدعي عبور أعداد كبيرة من القوات والمعدات عبر الأراضي الألمانية في أوقات الأزمات.
تركيا على الجناح الجنوبي الشرقي
الوزير الألماني شدد على أن تركيا تمثل ركيزة أساسية على الجناح الجنوبي الشرقي للناتو، مشيرًا إلى أن أنقرة دفعت بأكبر قوة وطنية مشاركة في التمرين، قوامها نحو ألفي جندي من القوات المسلحة التركية.
كما أثنى على قدرات البحرية التركية، واصفًا أداءها خلال المناورات بأنه “مثير للإعجاب” و”عالي الجودة”، معتبرًا أن مساهمة “الحلفاء والأصدقاء الأتراك” تحمل أهمية استراتيجية للحلف بأكمله، لأنها تؤكد اتساع نطاقه الجغرافي وقدرته العملياتية.
مشهد بحري وجوي متقدم في البلطيق
المرحلة التي أُجريت في بوتلوس تضمنت محاكاة عملية إنزال برمائي بمشاركة قوات إسبانية وتركية، مدعومة بقطع بحرية وطائرات.
وشملت المشاركة التركية سفينة الهجوم البرمائي TCG Anadolu، إلى جانب الطائرة المسيّرة القتالية Bayraktar TB3، التي نفذت طلعات فوق بحر البلطيق ضمن سيناريوهات التمرين، في مؤشر على تطور القدرات التركية في مجالي العمليات البحرية والطائرات غير المأهولة.
غياب أميركي وتأكيد أوروبي على الردع
للمرة الأولى، لم تشارك الولايات المتحدة بقوات في تمرين من هذا الحجم، وهو ما أثار تساؤلات في الأوساط الدفاعية. غير أن بيستوريوس أوضح أن ذلك يأتي ضمن نظام التناوب المعتاد للمشاركة في المناورات الكبرى، مؤكدًا أن الحلفاء الأوروبيين يبرهنون من خلال هذه التدريبات على التزامهم بمبدأ الردع الجماعي.
ويأتي هذا الحراك العسكري في سياق استمرار الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، الذي يقترب من عامه الرابع، وسط مخاوف أوروبية من احتمال توسع النزاع أو انتقاله إلى أراضي دول أعضاء في الناتو.
قيادة عسكرية رفيعة وحضور متعدد الجنسيات
المؤتمر الصحفي شهد حضور شخصيات عسكرية بارزة، من بينها قائد القيادة المشتركة للحلف في برونسوم بهولندا الجنرال إنغو غيرهارتس، وقائد القوات البحرية التركية الأدميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، ورئيس الأركان الألماني الجنرال كارستن بروير.
كما تشارك في الفترة الممتدة من يناير إلى مارس قوة الرد السريع التابعة للناتو، المعروفة باسم “قوة الرد المتحالفة”، لاختبار جاهزيتها وسرعة انتشارها ضمن سيناريوهات متعددة.
دلالات استراتيجية
تُبرز هذه المناورات ثلاثة أبعاد متداخلة: أولها تأكيد مركزية الدور التركي داخل الحلف في لحظة أمنية دقيقة؛ ثانيها تعزيز مفهوم “أوربة” الردع في ظل إعادة توزيع الأعباء داخل الناتو؛ وثالثها اختبار البنية التحتية اللوجستية الألمانية باعتبارها محورًا لنقل القوات شرقًا عند الحاجة.
في المحصلة، تعكس “Steadfast Dart 26” تحولًا في أولويات الحلف باتجاه تعزيز الجاهزية السريعة والتكامل العملياتي بين أعضائه، مع إبراز مساهمة تركيا بوصفها عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع الأطلسية.
خلاصة
إشادة وزير الدفاع الألماني بالدور التركي تؤكد تصاعد أهمية أنقرة داخل الناتو في ظل بيئة أمنية أوروبية متوترة. مناورات “Steadfast Dart 26” أظهرت جاهزية عملياتية متقدمة، مع حضور تركي لافت برًا وبحرًا وجوًا.

