في خضم تصاعد العنف مجددًا في الجنوب السوري، تتجه الأنظار إلى التحركات العسكرية والسياسية الإسرائيلية في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتحرك بدافع إنساني لحماية الدروز، أم أنها توظف الأزمة كذريعة لتأمين مصالحها الأمنية والجيوسياسية في الجنوب السوري.
تفجر الأزمة في السويداء: الطائفة الدرزية بين التهميش والقلق الوجودي
تعيش الطائفة الدرزية في سوريا – كما يراها الكاتب الصحفي التركي جمالي أونال – حالة من الهشاشة التاريخية، إذ واجهت عبر عقود طويلة موجات من التهميش والاضطهاد، من العهد العثماني إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وصولًا إلى الانهيار الذي أعقب احتجاجات 2011 في سوريا. واليوم، تجد هذه الطائفة نفسها مرة أخرى في مرمى العنف، هذه المرة نتيجة اشتباكات مسلحة اندلعت بين أبناءها وبعض القبائل البدوية المجاورة في محافظة السويداء.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار عقب أسبوع من المعارك الدامية في يوليو/تموز، فإن الاشتباكات لم تتوقف فعليًا. ويشير أونال إلى أن النزاع الذي بدأ بخلافات محلية على الأراضي والموارد، تحوّل بسرعة إلى أزمة أمنية واسعة، بعد تدخل ميليشيات موالية للنظام السوري يُعتقد أنها ساهمت في تأجيج الفتنة من خلال التنكر بزي بدوي.
ويضيف أن المعارك تسببت في نزوح أكثر من 120 ألف مدني، بعضهم إلى ريف دمشق، وآخرون إلى الأردن أو دول أخرى، بينما قُتل نحو1,000 شخص بحسب تقديرات مصادر محلية، ما عمّق شعور الدروز بأنهم مستهدفون بوصفهم طائفة لا تحظى بأي حماية داخلية أو خارجية.
التورط الإسرائيلي: بين الضغوط الداخلية والحسابات الحدودية
يرى أونال أن التحرك الإسرائيلي الأخير – بما في ذلك الغارات الجوية على دمشق في 16 يوليو/تموز – لم يكن مفاجئًا، خاصة في ظل ضغط متزايد من الدروز داخل إسرائيل على حكومتهم للتدخل. إلا أن دوافع هذه الخطوة تثير جدلًا واسعًا في أوساط النشطاء والمراقبين.
وبحسب ما ينقله أونال عن مصادر ميدانية، فإن إسرائيل تُبرر تدخلها باعتباره محاولة لحماية الدروز من المجازر، لكن الشكوك تحوم حول هدفها الحقيقي، الذي قد يكون إنشاء مناطق عازلة في كل من السويداء ودرعا والقنيطرة، على غرار استراتيجية الضبط الأمني التي اتبعتها في جنوب لبنان سابقًا.
يقول أونال إن “إسرائيل تسعى لتأمين جبهتها الشمالية بأي وسيلة، وتوظف الخطاب الإنساني كغطاء لتحركات تهدف أساسًا إلى حماية حدودها من التهديدات، لا لحماية الدروز من القتل“.
ويتابع أن الناشطة الحقوقية مراح عزام، المقيمة في السويداء، عبّرت عن هذه المخاوف بوضوح، مشيرة إلى أن “إسرائيل لا ترى في السويداء مجتمعًا بحاجة للحماية، بل منطقة حدودية يجب تحييدها عسكريًا“.
تباين داخل الطائفة: من القبول المشروط إلى الرفض القاطع
في مقابل هذا الرأي، يعرض أونال وجهة نظر أخرى عبر تصريحات الشيخ أكرم أبو فخر، أحد الشخصيات الدرزية البارزة، الذي قال إن “تدخل إسرائيل حال دون وقوع مجزرة تاريخية بحق أبناء السويداء”، لكنه أقر بعدم وضوح الأهداف الإسرائيلية البعيدة.
كذلك، ينقل أونال موقف الصحفي الدرزي عطا فرحات من الجولان المحتل، الذي يرفض بشدة توصيف التدخل الإسرائيلي كـ”إنساني”، معتبرًا أن “إسرائيل تسعى بالدرجة الأولى إلى ضمان عدم وجود أسلحة ثقيلة أو تنظيمات معادية على تخوم الجولان، لا إلى الدفاع عن طائفة معينة“.
ويواصل أونال تحليله بالقول إن هذا القلق الإسرائيلي “تعاظم بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس، وما تلاها من تصعيد في غزة أسفر عن مقتل أكثر من60,000 فلسطيني، وهو ما ولّد مخاوف إسرائيلية من امتداد التهديد إلى جبهات أخرى كالجولان“.
البعد الإقليمي: سوريا بين التجزئة والابتزاز السياسي
في السياق ذاته، يربط أونال بين التدخل الإسرائيلي وبين توجه أوسع تسعى فيه تل أبيب إلى فرض وقائع ميدانية تسمح لها بتقوية موقعها التفاوضي إقليميًا، وخلق ظروف تتيح تطبيع العلاقات مع بعض الأطراف العربية على أساس المصالح الأمنية المشتركة.
ويستشهد بتحليل الناشط العلوي شميس محفوظ، الذي يرى أن “إسرائيل لا تكتفي بالرد على التهديدات، بل تسعى إلى إعادة تشكيل جنوب سوريا سياسيًا وأمنيًا، مستفيدة من حالة الفراغ والانهيار“.
ويختم أونال تحليله بالتحذير من أن هذا النوع من التدخلات، مهما بدا وقائيًا، ينذر بتفكك إضافي للنسيج السوري، ويكرّس مناطق النفوذ المتنافسة على حساب السيادة الوطنية السورية.

