أعادت محكمة في كوسوفو تثبيت الإدانة بحق رئيس جهاز الاستخبارات السابق دريتون غاشي، في قضية ترحيل ستة مواطنين أتراك من أتباع حركة كولن قسراً إلى تركيا عام 2018، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الدولة الفتيّة.
الحكم الجديد، الذي صدر عن المحكمة الأساسية في بريشتينا، كرّس مجدداً مسؤولية غاشي الجنائية عن إساءة استعمال السلطة، بعد إعادة المحاكمة التي أمرت بها محكمة الاستئناف وقصرتها على التهمة المتعلقة به شخصياً.
المحكمة ثبّتت عقوبة السجن لأكثر من أربع سنوات، ومنعته من تولي أي منصب عام لمدة أربع سنوات إضافية بعد انقضاء محكوميته. القرار غير نهائي وقابل للطعن خلال مهلة قانونية.
جوهر الإدانة: تجاوز الصلاحيات وتعريض المرحّلين لخطر التعذيب
في منطوق الحكم، أكدت القاضية فيوليتا ناماني حاجرا أن غاشي تجاوز صلاحياته حين أشرف على ترحيل المواطنين الأتراك وتسليمهم للسلطات التركية، في إجراء قالت المحكمة إنه تم قسراً ودون استيفاء الضمانات القانونية. واعتبرت أن العملية لم تخرق فقط القوانين المحلية الناظمة لعمل جهاز الاستخبارات، بل انتهكت أيضاً المعايير الدولية لحقوق الإنسان، عبر تعريض المرحّلين لخطر حقيقي يتمثل في التعذيب وسوء المعاملة.
القضية تعود إلى أواخر مارس 2018، حين جرى توقيف خمسة معلمين هم كهرمان دميريز، مصطفى أردم، حسن حسين غوناكان، يوسف كارابينار وجيهان أوزكان، إضافة إلى أستاذ أمراض القلب عثمان قره قايا. جميعهم كانوا يعملون في مدارس “محمد عاكف” المرتبطة بمؤسسة “غوليستان” التعليمية التابعة لحركة الخدمة في كوسوفو.
السياق التركي: من الحليف التربوي إلى “التهديد الأمني”
المدارس التي عمل فيها المعلمون تتبع شبكة تعليمية يُقال إنها قريبة من حركة الراحل فتح الله كولن، الذي توفي عام 2024. هذه الحركة كانت تحظى بإشادة رسمية في تركيا لسنوات بسبب نشاطها في التعليم والحوار بين الأديان، قبل أن تتحول إلى خصم وجودي للسلطات التركية.
الحكومة التركية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، تتهم الحركة بتدبير تحقيقات الفساد في 2013 ثم محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، وصنّفتها تنظيماً إرهابياً في مايو من العام نفسه. الحركة تنفي بشكل قاطع أي صلة لها بالانقلاب أو بأي نشاط إرهابي.
في هذا المناخ السياسي المشحون، تصاعدت طلبات أنقرة لتسليم أو ترحيل أشخاص تعتبرهم مرتبطين بالحركة في عدة دول، وكان ملف كوسوفو أحد أبرز هذه الملفات في أوروبا.
تفاصيل الإجراء: قرارات إدارية بلا سند قانوني كافٍ
بحسب ما خلصت إليه المحكمة، قدّم غاشي طلبين إلى وزارة الداخلية في كوسوفو خلال مارس 2018، طالب فيهما بإلغاء تصاريح إقامة خمسة من المرحّلين ورفض طلب الإقامة السادس، بذريعة أنهم يشكلون تهديداً للأمن القومي. غير أن المحكمة رأت أن هذه الادعاءات لم تستند إلى أدلة كافية وفق قانون جهاز الاستخبارات، وأن الإجراءات اتُّخذت على عجل، من دون ضمانات الدفاع أو حق الطعن الفعّال.
العملية نُفذت بتنسيق بين عناصر من الدولة الكوسوفية ونظرائهم الأتراك، ما أثار تساؤلات عميقة حول استقلال القرار السيادي في بريشتينا، ومدى خضوع المؤسسات الأمنية لضغوط خارجية.
تداعيات سياسية داخلية: صراع صلاحيات واتهامات متبادلة
أحدثت عملية الترحيل آنذاك زلزالاً سياسياً في كوسوفو. رئيس الوزراء في ذلك الوقت راموش هاراديناي أعلن أن العملية تمت من دون علمه، في إشارة إلى خلل خطير في تسلسل القيادة. وبعد أيام قليلة أُقيل غاشي من منصبه.
لاحقاً، كشف تقرير لجنة برلمانية في فبراير 2019 عن وقوع إحدى وثلاثين مخالفة قانونية وإجرائية خلال عملية الترحيل، وذهب بعض أعضاء اللجنة إلى اتهام الرئيس آنذاك هاشم تاتشي بالوقوف خلف العملية. هذه الاتهامات عمّقت الانقسام السياسي وطرحت أسئلة حول تسييس الأجهزة الأمنية.
البعد الدولي: انتهاك للمعايير الأممية
في سبتمبر 2021، خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة إلى أن توقيف المعلمين الستة واحتجازهم ونقلهم قسراً إلى تركيا تم بشكل تعسفي وينتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان. هذا التوصيف وضع كوسوفو، الساعية إلى تعزيز موقعها الدولي وترسيخ صورتها كدولة قانون، في موقف حرج أمام المؤسسات الأوروبية والدولية.
الحكم القضائي الأخير يعيد الاعتبار جزئياً لهذا التقييم الأممي، عبر تأكيد المسؤولية الفردية لمسؤول أمني رفيع المستوى.
مصير المرحّلين في تركيا: أحكام ثقيلة في قضايا إرهاب
بعد تسليمهم إلى أنقرة، حوكم المواطنون الستة بتهم تتعلق بالإرهاب. المحاكم التركية أصدرت بحقهم أحكاماً مجموعها أكثر من ستة وخمسين عاماً من السجن. غالبية المتهمين نالوا أحكاماً بالسجن لثماني سنوات، بينما حُكم على مصطفى أردم، مدير مؤسسة “غوليستان” التعليمية في كوسوفو، بخمس عشرة سنة سجناً.
هذه الأحكام جاءت في سياق حملة واسعة النطاق شهدتها تركيا عقب محاولة الانقلاب، شملت اعتقالات جماعية وفصل عشرات الآلاف من وظائفهم، وإغلاق مؤسسات تعليمية وإعلامية يُشتبه في صلتها بالحركة.
إعادة المحاكمة: تثبيت المسؤولية وتضييق نطاقها
في الحكم الأصلي الصادر عام 2023، بُرّئ مسؤولان آخران كانا قد حوكما إلى جانب غاشي، بينما أُدين هو وحده. محكمة الاستئناف أعادت الملف إلى الدرجة الأولى مع حصر النظر في التهمة الموجهة إليه. القرار الأخير يمثل المرة الثانية التي يُدان فيها غاشي جنائياً على خلفية ترحيلات 2018، ما يعزز ثبات القناعة القضائية بمسؤوليته الشخصية.
قراءة تحليلية: بين ضغوط الجغرافيا السياسية واختبار دولة القانون
القضية تكشف هشاشة التوازن بين ضرورات الأمن القومي واحترام سيادة القانون في دول ما بعد النزاعات. كوسوفو، التي تعتمد جزئياً على دعم شركاء دوليين وتواجه تحديات اعتراف دولي، تجد نفسها في موقع حساس بين متطلبات العلاقات الثنائية مع أنقرة، التي تعد شريكاً مهماً، وبين التزاماتها القانونية والدستورية.
إدانة رئيس جهاز استخبارات سابق لا تمثل فقط محاسبة فردية، بل تشكل اختباراً لمبدأ خضوع الأجهزة الأمنية للرقابة القضائية. كما أنها رسالة إلى المجتمع الدولي بأن القضاء الكوسوفي قادر على مراجعة قرارات سيادية مثيرة للجدل، حتى عندما تمس ملفات ذات أبعاد إقليمية معقدة.
في المقابل، لا تزال تداعيات القضية مفتوحة على مستويات عدة: قانونياً مع احتمال الطعن، وسياسياً في ظل استمرار الجدل حول المسؤوليات العليا، وحقوقياً في ضوء أوضاع المحكومين في تركيا.
الخلاصة
إعادة تثبيت إدانة رئيس الاستخبارات الكوسوفية السابق تعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر عمليات الترحيل القسري إثارة للجدل في أوروبا خلال العقد الأخير. القضية تحوّلت إلى اختبار مزدوج لسيادة القانون في كوسوفو ولحدود النفوذ التركي خارج حدوده.

