أفاد الدبلوماسي التركي السابق والمحلل السياسي عمر مراد بأن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، يعكس بوضوح استغلال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمتغيرات الجيوسياسية لتعزيز سلطته الداخلية.
وأوضح مراد، في مقال نشره موقع “توركيش مينوت”، أن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا عقب إعادة انتخاب دونالد ترامب، والتوجهات الشعبوية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الجديدة، ساهما في منح تركيا ورقة تفاوضية إضافية، إلى جانب نفوذها العسكري والصناعي، مما مكّن أردوغان من استخدام هذه المعطيات للضغط على أوروبا بطريقة مشابهة لاستخدامه لملف اللاجئين.
وأشار مراد إلى أن التهديدات التي أطلقها ترامب بسحب المظلة الأمنية الأمريكية عن أوروبا زادت من أهمية تركيا بالنسبة للأمن الأوروبي، وهو ما جعل الاتحاد الأوروبي أكثر تردداً في اتخاذ مواقف صارمة تجاه سياسات أنقرة الداخلية، لا سيما فيما يتعلق باعتقال المعارضين السياسيين. وأضاف أن التحديات التي تواجه أوروبا، سواء من جهة واشنطن أو موسكو، دفعت القادة الأوروبيين إلى تبني نهج أكثر حذراً في التعامل مع أنقرة، خوفاً من خلق أزمة إضافية هم في غنى عنها.
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين تركيا وأوروبا، تساءل مراد عن مدى استعداد القادة الأوروبيين للتخلي عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في سبيل تحقيق مصالحهم الاستراتيجية، مشدداً على أن هذا الخيار، في حال تبنيه، سيؤدي إلى تآكل مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عن هذه القيم. وأعاد للأذهان أن تركيا، رغم نزوعها المتزايد نحو السلطوية، تظل شريكاً في العديد من المؤسسات الغربية مثل حلف الناتو ومجلس أوروبا، وهو ما يجعل التعاون معها مختلفاً عن التعامل مع أنظمة سلطوية أخرى في روسيا وآسيا الوسطى.
وفي هذا السياق، لفت مراد إلى أن بعض المحللين يرون أن أردوغان يتبع نهجاً مشابهاً لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث يتم توظيف القضاء والمؤسسات الأمنية لتصفية المعارضين السياسيين وإحكام السيطرة على الحياة العامة. وأردف قائلاً إن إشراك تركيا تحت قيادة أردوغان في جبهة أوروبية ضد روسيا قد يؤدي إلى تقويض المصداقية الأخلاقية للغرب، الذي يدّعي الدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون.
وأشار مراد إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي يجدون أنفسهم في مأزق حقيقي بين مواجهة أردوغان أو استيعابه ضمن استراتيجيتهم الأمنية، مؤكداً أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر نظراً لتذبذب مواقف أردوغان التاريخية. وأيد أطروحته بالإشارة إلى موقف أنقرة خلال الحرب الأوكرانية، حيث امتنعت عن فرض عقوبات على روسيا، بل وعملت على تسهيل التفاف موسكو على العقوبات الغربية، مما يثير التساؤلات حول مدى موثوقية تركيا كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن اعتماد تركيا المفرط على روسيا في مجالات الطاقة والسياحة يجعلها أكثر عرضة لضغوط الكرملين، مما قد يدفع أردوغان إلى تغيير سياساته فجأة إذا تعرض لمضايقات اقتصادية روسية. وخلص مراد إلى أن على أوروبا استغلال نفوذها الاقتصادي في مواجهة أنقرة، خاصة أن تركيا تعتمد بشكل كبير على التجارة والاستثمارات الأوروبية، مما يمنح الاتحاد الأوروبي أدوات ضغط فعالة إذا قرر تفعيلها.
وفي هذا السياق، شدد مراد على ضرورة اضطلاع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الانتهاكات الحقوقية في تركيا، منتقداً نهجها الحالي الذي يعتمد على إصدار الأحكام بعد سنوات من وقوع الانتهاكات. وأكد أن التأخير في إصدار الأحكام وتنفيذها يضر بمصداقية المحكمة ويقلل من تأثيرها كأداة لمساءلة الأنظمة السلطوية.
واختتم مراد تحليله بالإشارة إلى أن غض الطرف عن انتهاكات أردوغان قد يؤدي إلى تقويض العلاقات الأوروبية-التركية على المدى الطويل، لافتاً إلى أن اعتقال إمام أوغلو وما تبعه من حملة قمع واسعة، شملت أكثر من 2000 معتقل منذ 19 مارس، يُظهر بوضوح التناقض بين مساعي تركيا لجذب الاستثمارات الأوروبية ونهجها السلطوي المتصاعد. وأكد أن أي تحالف استراتيجي بين أوروبا وأردوغان، إذا لم يكن قائماً على قيم مشتركة، سيكون بالضرورة تحالفاً هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار جدي.

