في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، نقل وفد من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب عن عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني، تقديره بأن الاشتباكات الدامية الجارية في سوريا تحمل سمات محاولة مدروسة لإفشال مسار الحوار القائم بين أنقرة والحزب.
وجاءت هذه المواقف خلال زيارة أجراها الوفد إلى سجن إمرالي قرب إسطنبول، حيث يقبع أوجلان في عزلة شبه تامة منذ سنوات طويلة.
تحذير من تعطيل المسار التفاوضي
أوجلان، وفق ما أورده الوفد، اعتبر أن تطورات الميدان السوري لا يمكن فصلها عن التوازنات السياسية الأوسع، ورأى فيها سعياً مباشراً لعرقلة أي تقدم في مسار “السلام والمجتمع الديمقراطي” داخل تركيا. وأكد تمسكه بخيار الدفع قدماً في العملية السياسية، داعياً إلى خطوات عملية تُبقي باب التفاوض مفتوحاً وتمنع انزلاق الأوضاع نحو العنف مجدداً.
خلفية دعوة نزع السلاح
تأتي تصريحات أوجلان في امتداد لموقف سبق أن أعلنه العام الماضي، حين دعا حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه، بعد صراع امتد لأكثر من أربعة عقود وأوقع عشرات الآلاف من القتلى.
وفي السياق ذاته، كان الحزب قد حذّر في وقت سابق هذا الشهر من أن التصعيد في سوريا يهدد وقف إطلاق النار القائم مع تركيا ويضعه موضع تساؤل.
تحولات ميدانية تعيد رسم السيطرة
ميدانياً، تتسارع التحولات في شمال وشرق سوريا، حيث واصلت القوات الحكومية توسيع انتشارها على حساب القوات الكردية. وفي هذا الإطار، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من مناطق استراتيجية في ريف دير الزور الشرقي، شملت حقلي العمر والتنك النفطيين، ما وضع تلك المناطق عملياً تحت سيطرة الدولة. ويُعد حقل العمر الأكبر في البلاد، وكان يضم سابقاً القاعدة الأميركية الأهم في سوريا، وبقي منذ سنوات تحت سيطرة القوات الكردية بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية.
النفط والموارد في قلب المواجهة
أعلنت الحكومة السورية أيضاً استعادة السيطرة على حقول أخرى في محافظة الرقة، معتبرة أن إعادة الموارد إلى سلطة الدولة تشكل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار وإنعاش قطاعات الزراعة والطاقة والتجارة. وتتركز العمليات الحكومية في مناطق ذات غالبية عربية كانت قد خضعت لسيطرة القوات الكردية خلال الحرب على تنظيم الدولة، وهي الحرب التي انتهت بدعم من التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية.
مشاهد من مدن متوترة
في مدينة الطبقة، رُصد انتشار آليات مدرعة ودبابات في الشوارع مع قيام قوات الأمن بتمشيط الأحياء عقب انسحاب القوات الكردية. سُمع إطلاق نار متقطع وصفته مصادر أمنية بأنه اشتباكات محدودة. أغلقت المتاجر أبوابها، وبقي السكان قرب منازلهم وسط قلق واضح. بعضهم عبّر عن أمل بتحسن الأوضاع مع دخول القوات الحكومية، فيما شهدت مناطق قرب سد الفرات إزالة تمثال يخلد مقاتلة قُتلت خلال معارك تحرير الرقة.
اتهامات متبادلة وتوتر على ضفاف الفرات
تبادلت دمشق والإدارة الكردية الاتهامات بشأن تفجير جسور استراتيجية فوق نهر الفرات، وبينما قالت السلطات إن القوات الكردية تقف وراء التفجير، اتهمت الإدارة الذاتية القوات الحكومية بشن هجمات على عدة جبهات. وأكد الجيش السوري أن قوات سوريا الديمقراطية لم تلتزم بتعهدها بالانسحاب الكامل إلى شرق النهر. وفي دير الزور، أُغلقت المؤسسات العامة ودُعي السكان إلى التزام منازلهم.
تعثر سياسي بعد سقوط النظام السابق
اندلعت هذه الاشتباكات في أعقاب تعثر المفاوضات حول دمج الإدارة الذاتية الكردية وقواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، التي تشكلت بعد سقوط حكم بشار الأسد. ورغم إصدار الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يمنح الأكراد اعترافاً رسمياً، اعتبرت القيادات الكردية الخطوة غير كافية، مشيرة إلى أشهر من الجمود في محادثات الدمج.
دور إقليمي ودولي متشابك
تزامنت الانسحابات الكردية مع لقاء جمع مبعوثاً أميركياً بارزاً بالقيادي الكردي مظلوم عبدي في أربيل، ومع دعوة القيادة العسكرية الأميركية الوسطى القوات الحكومية السورية إلى وقف العمليات في ممر حيوي بين حلب والطبقة. وفي المقابل، رحّبت تركيا بالتحرك السوري، معتبرة أنه يستهدف تنظيمات تصنفها إرهابية وترتبط بحزب العمال الكردستاني.
شارع كردي غاضب
في القامشلي، خرج مئات المتظاهرين رافعين شعارات تؤكد الاستعداد للدفاع عن مناطقهم ومقاتليهم. عبّر المحتجون عن رغبتهم في نظام سياسي يمثل جميع السوريين، مطالبين بوقف القتل وتحقيق مساواة حقيقية، في رسالة تعكس عمق القلق الشعبي من مآلات الصراع.
خلاصة
تصريحات أوجلان تضع الاشتباكات السورية في إطار إقليمي أوسع، باعتبارها عاملاً قد يقوض فرص السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني. وبينما يعاد رسم خرائط السيطرة في سوريا، يتشابك الميدان مع السياسة، مهدداً بفتح جبهات جديدة في مسار تفاوضي هش.

