في خطوة تؤكد رغبة تركيا في ترسيخ حضورها في إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، أعلنت أنقرة تعيين محمد غللو أوغلو، الرئيس الأسبق لهيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد)، منسقًا عامًا للمساعدات الإنسانية إلى غزة.
القرار يعكس بوضوح انتقال الدور التركي من الدعم السياسي والدبلوماسي إلى الانخراط الميداني والإداري المباشر، في لحظة حساسة أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعت عليه تركيا إلى جانب قطر ومصر والولايات المتحدة.
ويأتي هذا التعيين كإشارة على توجه أنقرة نحو تثبيت حضور طويل الأمد في عملية إعادة الإعمار، وإدارة الجوانب الإنسانية واللوجستية للمرحلة الانتقالية في القطاع.
مهمة المنسق: إدارة المساعدات ومتابعة الإغاثة الميدانية
بحسب المعطيات الرسمية، وصل غللو أوغلو إلى المنطقة ليتولى تنسيق عمليات المساعدات الإنسانية والإشراف على تسليمها، إضافة إلى تقييم احتياجات القطاع بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإغاثية الدولية.
وتشمل مهامه تنظيم عمليات الإجلاء الطبي للجرحى، وتنسيق الدعم الطبي، وتحديد أولويات إعادة الإعمار، إلى جانب ضمان انسيابية نقل المساعدات من الأراضي التركية عبر الموانئ المصرية والأردنية.
وتشير الترتيبات الحالية إلى أن غللو أوغلو سيعمل بالتنسيق مع كل من السلطات المصرية والأردنية لتسهيل الحركة عبر المعابر الحدودية، ضمن منظومة إقليمية تستهدف تسريع عمليات الإغاثة وتفادي العراقيل اللوجستية.
من الطبيب إلى الدبلوماسي الإنساني
يُعد محمد غللو أوغلو أحد أبرز الوجوه الإدارية في المشهد الإنساني التركي.فهو طبيب تولّى سابقًا منصب المدير العام للهلال الأحمر التركي بين عامي 2013 و2017، قبل أن يُعيَّن رئيسًا لهيئة آفاد في أغسطس 2017، حيث أدار استجابات ضخمة لكوارث داخلية وخارجية حتى عام 2021.
كما شغل منصب سفير تركيا في تنزانيا، ما منحه خبرة دبلوماسية واسعة إلى جانب خلفيته في إدارة الأزمات والكوارث، ما يجعله شخصية مثالية لقيادة واحدة من أعقد المهمات الإنسانية في الشرق الأوسط حاليًا.
تحرك إنساني واسع: من الموانئ التركية إلى غزة
في إطار الجهود التي يقودها غللو أوغلو، أرسلت تركيا هذا الأسبوع شحنة إغاثة ضخمة بلغت 865 طنًا من المساعدات عبر ميناء مرسين جنوب البلاد إلى ميناء العريش المصري، تمهيدًا لنقلها إلى غزة.
وتُعد هذه الخطوة جزءًا من سلسلة عمليات إغاثية مستمرة، تشمل إرسال المستلزمات الطبية والمواد الغذائية ومعدات إقامة الملاجئ المؤقتة.
وأكدت وزارة الخارجية التركية أن أنقرة قد عبّأت جميع مواردها الحكومية والمدنية من أجل دعم غزة، مشيرة إلى أن التنسيق بين المؤسسات التركية يتم على مدار الساعة لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر تضررًا.
مشاركة عسكرية محتملة في آلية المراقبة الدولية
إلى جانب الجهود الإنسانية، أبدت تركيا استعدادها للانخراط في قوة دولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار.
الرئيس رجب طيب أردوغان صرّح بأن بلاده على استعداد للمشاركة في المهمة سواء بصيغة مدنية أو عسكرية، ريثما تُحدد تفاصيل التفويض الدولي وآليات الإشراف.
وتُشير هذه الخطوة إلى أن أنقرة لا تكتفي بالبعد الإنساني فحسب، بل تسعى إلى ضمان موقع فاعل في ترتيبات الأمن والاستقرار الإقليمي في غزة بعد الحرب، في تناغم مع دورها المتنامي في الوساطات الإقليمية.
دلالة التحرك التركي: من الدعم السياسي إلى الإدارة الميدانية
تعيين غللو أوغلو وتوسيع نشاط آفاد ووزارة الخارجية يعكسان مرحلة جديدة في السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية، عنوانها الانتقال من الخطاب التضامني إلى العمل التنفيذي على الأرض. فبعد سنوات من الحضور السياسي المحدود، يبدو أن أنقرة تسعى إلى تحويل موقعها من طرف داعم إلى طرف مشارك في إعادة البناء، مستفيدة من خبراتها في إدارة الكوارث ومن شبكاتها اللوجستية الواسعة.
هذا التحول يمنح تركيا موطئ قدم في المشهد الإقليمي لما بعد الحرب، ويُعيد رسم توازن القوى في الملف الإنساني الفلسطيني، الذي ظل لعقود محصورًا بين أطراف عربية محددة.

