تشهد الساحة الإقليمية تحركًا متسارعًا لإعادة ترتيب ملف معتقلي تنظيم داعش، في ضوء نقل آلاف الموقوفين من شمال شرق سوريا إلى العراق. وفي هذا السياق، تستعد تركيا لاتخاذ خطوات عملية لاستعادة مواطنيها المشتبه بارتباطهم بالتنظيم، بعد أن أصبحوا ضمن عهدة السلطات العراقية عقب عملية نقل أشرفت عليها الولايات المتحدة.
التحول الجديد في مسار هذا الملف جاء بعد أسابيع من التوترات الميدانية في سوريا بين قوات دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية، وهي اشتباكات أثارت مخاوف جدية من احتمال حدوث حالات فرار من مراكز الاحتجاز التي تضم عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى التنظيم. هذه المخاوف دفعت إلى تسريع نقل المعتقلين إلى العراق باعتباره طرفًا رئيسيًا في الحرب السابقة ضد التنظيم ويمتلك بنية قضائية وأمنية للتعامل مع هذا النوع من القضايا.
نقل واسع للمعتقلين… وبغداد في واجهة المعالجة القضائية
السلطات العراقية أعلنت أنها تسلمت ما يقارب خمسة آلاف موقوف من نحو ستين دولة، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات في إطار إدارة ما تبقى من ملف التنظيم بعد انهيار سيطرته الإقليمية. وأكدت بغداد أن عملية النقل لا تزال مستمرة إلى حين استكمالها بالكامل، على أن يُحسم مصير كل معتقل إما بالمحاكمة وفق القانون العراقي أو بإعادته إلى بلده الأصلي تبعًا لظروف كل حالة.
في هذا الإطار، أشار مسؤولون عراقيون إلى أن عدد المواطنين الأتراك الذين جرى نقلهم حتى الآن يتراوح بين مئة وستين ومئة وخمسة وستين شخصًا. وأوضحت بغداد أنها على تواصل مباشر مع أنقرة، التي أبدت مبدئيًا استعدادها لاستعادة رعاياها.
المعتقلون الذين نُقلوا من سوريا يُحتجزون حاليًا في منشأة شديدة التحصين داخل بغداد، حيث يخضعون لتحقيقات تمهيدًا لإجراءات قضائية محتملة. ويُعد هذا المسار القضائي ذا حساسية خاصة، نظرًا لأن القانون العراقي يجيز إصدار أحكام بالإعدام في قضايا الإرهاب، وهو ما يجعل بعض الحكومات الأجنبية وعائلات الموقوفين متحفظين إزاء محاكمتهم داخل العراق.
السياق الأمني: من انهيار “الخلافة” إلى إدارة الإرث الثقيل
تعود جذور هذا الملف إلى صيف عام 2014 حين تمكن تنظيم الدولة من السيطرة على مساحات واسعة في العراق وسوريا، وارتكب خلال تلك الفترة مجازر جماعية وعمليات خطف واسعة، من بينها استعباد نساء وفتيات من الأقلية الإيزيدية في شمال العراق، في واحدة من أبشع الجرائم التي وثقتها منظمات دولية.
العراق أعلن في أواخر عام 2017 استعادة كامل أراضيه من قبضة التنظيم بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بينما نجحت قوات سوريا الديمقراطية في إسقاط آخر معاقل التنظيم في الأراضي السورية عام 2019. غير أن سقوط السيطرة الإقليمية لم ينهِ التحدي، إذ بقي آلاف المقاتلين والمشتبهين بانتمائهم إلى التنظيم في مراكز احتجاز، ما حوّل الملف إلى قضية قانونية وأمنية عابرة للحدود.
أنقرة أمام اختبار قانوني وسياسي
بالنسبة لتركيا، يشكل استعادة مواطنيها الموقوفين خطوة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات القانونية والسياسية. فالتعامل مع عائدين يُشتبه بانخراطهم في تنظيم مصنف إرهابي يتطلب مسارًا قضائيًا داخليًا واضحًا، إضافة إلى ترتيبات أمنية مشددة لمنع أي تهديد محتمل.
إبداء أنقرة استعدادًا أوليًا لاستعادة رعاياها يعكس توجهًا لتولي المسؤولية المباشرة عن هذا الملف، بدل ترك مواطنيها عرضة لإجراءات قضائية في الخارج قد تنتهي بأحكام قاسية، من بينها عقوبة الإعدام.
معادلة العدالة والسيادة
التحرك العراقي يضع مسألة السيادة القضائية في الواجهة، إذ تؤكد بغداد حقها في محاكمة من ارتكب جرائم على أراضيها، بينما تطالب بعض الدول باستعادة مواطنيها لمحاكمتهم داخليًا. وبين هذين المسارين، تتشكل مقاربة عملية تقوم على فرز الحالات وتحديد ما إذا كانت الوقائع المنسوبة لكل معتقل تندرج ضمن اختصاص القضاء العراقي أم تستوجب الإعادة إلى البلد الأم.
المرحلة المقبلة ستحدد مدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا الملف من عبء أمني مفتوح إلى مسار قانوني منضبط، في ظل تعقيدات إقليمية مستمرة ومخاوف من عودة خلايا التنظيم للنشاط مستفيدة من أي فراغ أمني.
خلاصة
نقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق أعاد ترتيب المشهد القانوني والأمني في المنطقة، وفتح الباب أمام موجة استرداد وطني تقودها عدة دول، بينها تركيا. الملف يظل محكومًا بتوازن دقيق بين مقتضيات العدالة، واعتبارات السيادة، وحسابات الأمن الداخلي لكل دولة معنية.

