تشير النتائج الأولية للانتخابات الإقليمية في ولاية بادن‑فورتمبيرغ جنوب غربي ألمانيا إلى تقدّم حزب الخضر الألماني، ما يفتح الطريق أمام السياسي الألماني من أصول تركية جيم أوزدمير لتولي رئاسة حكومة الولاية، في سابقة تاريخية قد تجعله أول رئيس حكومة إقليمية في ألمانيا ينحدر من أصول تركية.
ووفق النتائج الأولية، حصد حزب الخضر نحو 32 في المئة من الأصوات، متقدّمًا على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي جاء في المرتبة الثانية بنسبة تراوحت بين 29 و30 في المئة.
هذا التقدم الانتخابي يمنح أوزدمير موقعًا متقدمًا لتشكيل الحكومة الإقليمية الجديدة، مع ترجيحات قوية لإعادة تشكيل ائتلاف حاكم بين الخضر والاتحاد الديمقراطي المسيحي.
خلافة قيادة سياسية مخضرمة
الانتخابات تمهد لخلافة رئيس حكومة الولاية الحالي فينفريد كريتشمان، وهو أحد أبرز وجوه حزب الخضر في ألمانيا، الذي قرر عدم الترشح لولاية جديدة بعد سنوات طويلة في المنصب.
ويمثل هذا التحول انتقالًا مهمًا داخل المشهد السياسي المحلي، إذ حافظ كريتشمان على نموذج حكم توافقي بين الخضر والمحافظين في واحدة من أهم الولايات الاقتصادية في البلاد.
ولاية صناعية ذات ثقل اقتصادي
تُعد بادن-فورتمبيرغ من الركائز الصناعية الرئيسية في الاقتصاد الألماني، إذ تحتضن مقار شركات عالمية عملاقة مثل مرسيدس‑بنز وبورشه، ما يمنح منصب رئيس حكومة الولاية أهمية سياسية واقتصادية كبيرة.
وفي هذا السياق، ركّز أوزدمير خلال حملته الانتخابية على تقديم نفسه باعتباره سياسيًا ذا خبرة عملية وقادرًا على التوفيق بين متطلبات التحول البيئي ومصالح الصناعة الألمانية.
مسيرة سياسية طويلة
وُلد جيم أوزدمير عام 1965 في بلدة باد أوراخ في بادن-فورتمبيرغ لأبوين قدما إلى ألمانيا من تركيا ضمن موجة الهجرة العمالية التي عُرفت ببرنامج “العمال الضيوف” في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
دخل الحياة السياسية مبكرًا، وحقق حضورًا تاريخيًا عام 1994 عندما أصبح من أوائل النواب في البوندستاغ المنحدرين من أصول تركية. لاحقًا انتُخب عضوًا في البرلمان الأوروبي قبل أن يتولى مناصب قيادية بارزة داخل حزب الخضر.
كما شغل منصب وزير الزراعة في حكومة المستشار السابق أولاف شولتس، وكان أحد الوجوه البارزة للحزب على المستوى الوطني، إذ ترأس الحزب بين عامي 2008 و2018، وشارك كأحد المرشحين الرئيسيين في الانتخابات الفيدرالية الألمانية عام 2017.
شخصية براغماتية داخل حزب الخضر
ينتمي أوزدمير إلى الجناح الوسطي داخل حزب الخضر، وقد تميز بمواقف براغماتية في قضايا اقتصادية وصناعية. ففي نقاشات التحول البيئي، دعا إلى قدر أكبر من المرونة في خطة إنهاء استخدام سيارات محركات الاحتراق الداخلي، محذرًا من آثار التحولات المتسرعة على الصناعة الألمانية.
كما انتقد مواقف بعض نواب حزبه الذين عارضوا اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور في أمريكا الجنوبية، معتبرًا أن الاتفاقيات التجارية ضرورية للحفاظ على القدرة التنافسية الأوروبية.
علاقة متوترة مع أنقرة
يحظى أوزدمير بحضور واسع في النقاشات السياسية المرتبطة بتركيا، إذ يُعرف بانتقاداته المتكررة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وكان من أبرز الداعمين لقرار البرلمان الألماني عام 2016 الذي وصف عمليات قتل الأرمن في ظل الدولة العثمانية بأنها إبادة جماعية، وهو توصيف ترفضه أنقرة بشدة.
كما أثار جدلًا بعد الانتخابات التركية عام 2023 عندما انتقد بعض الناخبين المؤيدين لأردوغان داخل ألمانيا، قائلاً إنهم لا يتحملون تبعات خياراتهم السياسية بالطريقة نفسها التي يتحملها المواطنون المقيمون داخل تركيا.
دلالات سياسية أوسع
تقدم أوزدمير في انتخابات بادن-فورتمبيرغ يعكس تحولات أعمق في المجتمع السياسي الألماني، حيث أصبح أبناء موجات الهجرة جزءًا فاعلًا في مراكز القرار.
كما أن فوزه المحتمل يعزز موقع حزب الخضر في واحدة من أكثر الولايات نفوذًا اقتصاديًا في البلاد، ويكرّس نموذج التحالفات البراغماتية بين القوى البيئية والمحافظة في إدارة الاقتصاد الصناعي الألماني.
خلاصة
تقدّم جيم أوزدمير في انتخابات بادن-فورتمبيرغ يضعه على أعتاب منصب تاريخي كأول رئيس حكومة ولاية ألمانية من أصول تركية. ويعكس هذا التحول مزيجًا من صعود سياسي شخصي وتحولات أوسع في بنية المجتمع والسياسة في ألمانيا.

