يرى الكاتب والباحث الأكاديمي السويسري المعروف دانييل جانسر، مؤلف كتاب “جيوش الناتو السرية”، أنّ العالم دخل طوراً جديداً من الاضطراب البنيوي؛ طوراً تتقاطع فيه حروب الطاقة، وانفجار منظومات الردع القديمة، والتصدّع الداخلي في الغرب، مع انهيار السردية الأخلاقية التي قدّم بها حلف الناتو نفسه طيلة عقود. هذه اللوحة المتشابكة لا يمكن فهمها ـ في رأيه ـ إلا إذا قُرئت الحروب الراهنة، من أوكرانيا إلى إيران، على خلفية تاريخ أطول من الاستعمار، والحروب السرّية، والتلاعب بالوعي الجماعي.
أوّلاً: الحروب المعاصرة في مرآة تاريخ الاستعمار الغربي
في برنامج بوتكست علي يوتيوب، يُذكّر جانسر بأنّ الغرب لم يَبنِ تفوّقه السياسي والاقتصادي في فراغ، بل على قرون من الغزو المنهجي منذ أواخر القرن الخامس عشر؛ حين حملت القوى الأوروبية لغاتها إلى الأمريكتين وأفريقيا وآسيا على ظهر المدافع لا على أجنحة التبشير الحضاري. هذا الإرث الاستعماري لم يختفِ، بل أعاد إنتاج نفسه في ثوب جديد عبر الأحلاف العسكرية، وفي مقدّمها حلف الناتو الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تمدّد مع انهيار الاتحاد السوفيتي بدل أن يُحلّ.
في هذا السياق يرى جانسر أنّ الخطاب الغربي عن “التفوّق الأخلاقي” ليس سوى غطاءٍ أيديولوجيّ لحروب متعاقبة: من فيتنام إلى العراق وليبيا، ومن يوغسلافيا السابقة إلى سوريا، حيث استُخدمت شعارات “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” لتبرير خروقات صريحة لميثاق الأمم المتحدة وحظر استخدام القوة. ويعتبر أنّ هذا التاريخ الطويل من العنف “تحت سقف القانون الدولي” هو الخلفية الضرورية لفهم الانفجار الحالي في الشرق الأوسط وأوروبا معاً.
ثانياً: الناتو بين خطاب الدفاع وممارسة الهجوم
بنية الحلف ووظيفته الأصلية
يذكّر جانسر بأنّ الناتو تأسّس بوصفه حلفاً دفاعياً غرضه المعلن “ردع” الاتحاد السوفيتي، لكن التعريف العملي الذي تداوله قادة الحلف في الحرب الباردة كان واضحاً: إبقاء الألمان تحت السيطرة، والروس خارج أوروبا، والأمريكيين داخلها. ومع اتساع عضويته إلى اثنين وثلاثين بلداً، بقي مركز الثقل الحقيقي في واشنطن، فيما تحوّل الأمين العام للحلف إلى واجهة سياسية تعكس إرادة القوة الأمريكية أكثر مما تعبّر عن إرادة جماعية متوازنة.
لا يرى جانسر في الناتو مجرّد “مظلّة أمنية”، بل بنيةً تجعل أوروبا تابعة استراتيجياً واقتصادياً؛ إذ يُطالَب الأعضاء بإنفاق ضخم على التسلّح، مع تفضيل شراء السلاح من الشركات الأمريكية تحت ذريعة “التوافق التقني”، فيتحوّل جزء معتبر من الميزانيات العامة من التعليم والبنى التحتية والضمان الاجتماعي إلى سوق التسلّح عبر الأطلسي.
من “الجيوش السرّية” إلى تفجير خطوط الطاقة
انشغل جانسر في أعماله السابقة بتوثيق شبكات “الجيوش السرّية” المرتبطة بالناتو خلال الحرب الباردة، وما رافقها من عمليات إرهابية منسوبة زوراً لخصوم الحلف بهدف تشكيل رأي عام مؤيّد لسياسات أمنية متشدّدة. هذه الخبرة التاريخية تجعله يرى في تفجير خطّي “نورد ستريم” لحظة مفصلية: ضربةً لبنية الطاقة الألمانية والأوروبية، أرجعها إلى قرار سياسي أمريكي يستهدف منع قيام محور اقتصادي–طاقي قوي بين برلين وموسكو.
برأيه، شكّل هذا التفجير هجوماً من دولة عضو في الناتو على بنية تحتية حيوية لدولة أخرى داخل الحلف، ما كشف هشاشة مقولة “الأمن الجماعي” وحوّل الحلف عملياً إلى بناء غير متماسك تتباين فيه المصالح جذرياً، بينما يُطلب من أوروبا أن تسلّم بسياسات تضرب صناعاتها وتضاعف اعتمادها على الطاقة الأمريكية الباهظة.
ثالثاً: الحرب في أوكرانيا وسؤال الشرعية الدولية
التوسّع شرقاً واستفزاز روسيا
يصرّ جانسر على أنّ فهم الحرب في أوكرانيا يقتضي العودة إلى مسار التوسّع المتدرّج للناتو شرقاً منذ التسعينيات، وصولاً إلى طرح ضمّ أوكرانيا وجورجيا، وما رافق ذلك من انقلاب موازين القوى في أوروبا الشرقية. من زاويته، كان هذا التوسّع، مع التحوّلات داخل أوكرانيا نفسها منذ 2014، بمثابة استفزاز استراتيجي لروسيا، أطلق دينامية “معضلة أمن” كلاسيكية، حيث يقود سعي طرف إلى تعزيز أمنه إلى شعور الطرف الآخر بالتهديد.
ومع ذلك يميّز جانسر بشكل صارم بين فهم الأسباب وبين تبرير الأفعال؛ فهو يرى الغزو الروسي لأوكرانيا خرقاً واضحاً لحظر استخدام القوة، بغضّ النظر عن دوافعه، لكنه يرفض الوصف الغربي له بأنه “غير مبرّر إطلاقاً”، معتبراً أنّ تجاهل عوامل الاستفزاز الطويلة يمنع أي فهم حقيقي لمسار الأزمة ويسدّ الطريق أمام تسوية دبلوماسية.
سابقة كوسوفو وازدواج المعايير
يستحضر جانسر نموذج كوسوفو بوصفه مثالاً صارخاً على ازدواجية تطبيق القانون الدولي. فالانفصال عن صربيا، وإعلان الاستقلال تحت حماية قصف الناتو، استُقبل في العواصم الغربية كتكريس لحقّ “تقرير المصير”، بينما اعتُبر تحرّك الأقاليم الانفصالية في شرق أوكرانيا نموذجاً لـ”الانفصال غير الشرعي” يجب خنقه بالقوة.
من منظور جانسر، يوفّر هذا التناقض مادة أساسية للخطاب الروسي الذي يستند إلى منطق: ما جاز في كوسوفو يجب أن يجوز في شبه الجزيرة القرم أو دونباس. وهو يرى أنّ روسيا تبني على هذه الازدواجية حجة سياسية أمام جمهورها الداخلي وأمام كثير من دول الجنوب العالمي التي ترى في الممارسات الغربية استمراراً لمنطق المعايير المزدوجة.
رابعاً: الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل والحرب على القانون الدولي
الهجوم على إيران وانهيار مبدأ حظر القوة
يرى جانسر أنّ الهجمات الإسرائيلية–الأمريكية المتكرّرة على إيران، من استهداف منشآت عسكرية ونووية إلى الاغتيالات الرفيعة المستوى، ثم الحرب المفتوحة الراهنة التي شملت قتل القيادة العليا في طهران، تشكّل سلسلة من الانتهاكات الصريحة لميثاق الأمم المتحدة. في نظره، تُقدَّم هذه العمليات للرأي العام بوصفها “ضربات وقائية” ضد تهديد نووي محتمل، لكن هذا منطق يفتح الباب لأي دولة قوية لتبرير حرب استباقية على أساس “النية المفترضة” لدى خصمها.
وبالنسبة إليه، ما يجري اليوم بين إسرائيل وإيران، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، هو امتداد لمسار سابق؛ فقد سبق لإسرائيل أن نفّذت ضربة كبرى ضد إيران قبل سنوات، ولعبت هذه الخطوة مع الحرب في أوكرانيا دوراً في تعقيد اللوحة الإستراتيجية إلى حدّ تحوّلها إلى “شطرنج ثلاثي الأبعاد” تتداخل فيه جبهات أوكرانيا والشرق الأوسط والفضاء الأطلسي–الآسيوي.
غزة، الإبادة، وانهيار السردية الأخلاقية الغربية
يعتبر جانسر أنّ الموقف الغربي من الحرب الإسرائيلية على غزة مثّل نقطة انكسار بارزة؛ إذ اختارت حكومات الشمال الأطلسي دعم حملة عسكرية وُصفت بأنها تتّسم بسمات “الإبادة الجماعية”، رغم تحذيرات حقوقية واسعة، فيما تدفّق السلاح إلى تل أبيب في ذروة القصف على المدنيين.
من وجهة نظره، أدّى هذا الموقف إلى تآكل غير مسبوق لصورة الغرب كحامل لقيم “حقوق الإنسان” في نظر الرأي العام العالمي، لا سيما في بلدان الجنوب، وأكّد أنّ خطاب “الحرب على الإرهاب” ليس إلا غطاءً انتقائياً يُرفع حين يخدم مصالح معينة ويُطوى عندما تتحوّل الضحية إلى طرف غير مرغوب فيه سياسياً.
خامساً: الولايات المتحدة بين الإمبريالية والتصدّع الداخلي
من “الحرب بالوكالة” إلى الخطف العلني للزعماء
يقدّم جانسر قراءة للسياسة الأمريكية بوصفها امتداداً متواصلاً لمنطق إمبراطوري يسعى إلى السيطرة على مصادر الطاقة والطرق التجارية، سواء تمثّل ذلك في غزو العراق، أو الإطاحة بأنظمة غير موالية، أو استخدام العقوبات كسلاح اقتصادي شامل.
في هذا الإطار، يرى أنّ إدارة ترامب لم تُحدث “تحوّلاً جوهرياً” في طبيعة الإمبراطورية بقدر ما نزعت عن كثير من الممارسات غطاءها الأخلاقي؛ فحين تُنفَّذ عمليات خطف لرؤساء أو ضباط رفيعين في دولٍ خصمة، أو تُقصف بلدان بعيدة، يُصرّح ترامب بأنّ المسألة تتعلّق بـ”النفط” أو بالمصلحة الاقتصادية المباشرة، دون تكلّفٍ في صناعة روايات قانونية–أخلاقية. هذه الصراحة الفجّة، وإن بدت لبعض الأوروبيين صادمة وغير دبلوماسية، تكشف في قراءة جانسر الطبيعة الحقيقية للسياسة التي لطالما مورست بذرائع مختلفة.
اللامساواة الداخلية وحدود القوة الإمبراطورية
يُشدّد جانسر على أنّ قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في لعب دور القوة المهيمنة تتآكل بفعل أزماتها الداخلية؛ إذ يعيش عشرات الملايين في ظروف فقر أو هشاشة مالية، فيما تستفيد طبقة محدودة من أرباح الحروب والعقود العسكرية. هذا الخلل البنيوي يذكّره بمراحل متأخّرة في عمر إمبراطوريات سابقة، حيث يتعمّق الفارق بين النخبة المستفيدة وقواعد المجتمع التي تُدفع ثمن التوسّع الخارجي.
من هنا، يرى جانسر أنّ مغامرات واشنطن في أوكرانيا والشرق الأوسط، وعملياتها ضد أنظمة مثل إيران وفنزويلا، تُسرّع تقارب خصومها الكبار، روسيا والصين، وتدفع قوى صاعدة أخرى في الجنوب العالمي إلى البحث عن ترتيبات بديلة خارج الهيمنة الدولارية–الأطلسية.
سادساً: أوروبا بين التبعية الأمريكية والضغوط الاستراتيجية
ضحية لسياسات الطاقة والسلاح
يلاحظ جانسر أنّ أوروبا، وبخاصة ألمانيا، أصبحت تتحمّل كلفة استراتيجية واقتصادية باهظة نتيجة خيارات واشنطن؛ ففقدان الغاز الروسي الرخيص، عقب تفجير “نورد ستريم” وسياسة العقوبات، أسهم في إضعاف القدرة التنافسية الصناعية، بينما تتضاعف نفقات الدفاع المطلوبة داخل الناتو من دون مقابل أمني واضح.
هذا الوضع يصفه جانسر بأنه انتقال من “الشراكة” إلى “العلاقة الزبائنية”: أوروبا تُطالب بتمويل مواجهة روسيا والصين، وبقبول استراتيجيات هجومية في الشرق الأوسط، في حين تتضاءل هوامش قرارها المستقل في ملفات التجارة والطاقة.
الهوامش المحدودة للمقاومة داخل النخبة الأوروبية
يلفت جانسر إلى أنّ بعض المسؤولين الأوروبيين حاولوا في سنوات سابقة التمسّك بعلاقات طاقة متوازنة مع روسيا، كما فعلت شخصيات ألمانية بارزة دعمت مشاريع خطوط الغاز، لكنهم اصطدموا بتيار أطلسي قويّ داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ومع تصاعد المواجهة مع موسكو ثم الانفجار مع إيران، ضاقت هوامش المناورة أكثر، وارتفعت تكلفة أي مسار مستقل، سواء في السياسة الخارجية أو في بنية الأمن الأوروبي.
سابعاً: الإعلام، الرقابة، وتضييق الخناق على الأصوات النقدية
من شيطنة الخبراء إلى “إلغاء الحسابات البنكية”
يرى جانسر أنّ ما يسمّيه “الحرب على السرديات” لم يعد أقل شراسة من الحرب المسلحة؛ فالمحلّلون الذين يعرضون قراءة مغايرة للرواية الرسمية حول أوكرانيا أو إيران يواجهون اليوم سلاح الإدراج على لوائح العقوبات أو إغلاق الحسابات البنكية أو المنع من التنقّل.
في هذا الإطار يربط بين حالة المحاربين القدامى في أجهزة الاستخبارات أو الناتو الذين تحوّلوا إلى ناقدين للسياسات الغربية، وبين موجة العقوبات التي تستهدف ما يُسمّى “روايات مؤيدة لروسيا”، ويرى فيها محاولة لضبط الفضاء الإعلامي الأوروبي عبر آليات شبه مالية–أمنية، لا عبر نقاش حرّ للأفكار والحجج.
المنصات الرقمية بين الهامش والتهديد
مع ذلك يلاحظ جانسر أنّ المنصات الرقمية الأمريكية التي لم تخضع بالكامل للرقابة الرسمية أتاحت هامشاً للتعبير عن الأصوات النقدية، بما في ذلك نقد الناتو والسياسات الغربية في أوكرانيا والشرق الأوسط، لكن هذا الهامش يبقى مهدّداً مع تنامي تشريعات “الخدمات الرقمية” التي تُستخدم ذريعةً لتوسيع نطاق الحذف والحظر.
في تقديره، بات العالم في مرحلة انتقالية: منظومة الإعلام التقليدي المهيمن لم تعد قادرة على احتكار الرواية، لكنها تعمل مع الحكومات على تطويع الوسائط الجديدة، في حين يكافح الباحثون والصحفيون المستقلّون للحفاظ على مساحة تسمح بنقاش جادّ حول جذور الأزمات لا حول أعراضها فقط.
ثامناً: الصين وروسيا وتحوّل ميزان القوى العالمي
يرى جانسر أنّ اللحظة المفصلية في التحوّل الجيوسياسي المعاصر كانت التفاهم الإستراتيجي بين موسكو وبكين قبيل التصعيد في أوكرانيا، حين أعلن الطرفان رفضهما صراحةً تمدّد الناتو واستمرار الأحادية القطبية الأمريكية.
منذ ذلك الحين، تشكّل في نظره محورٌ واسع يضمّ روسيا والصين، وتتحلّق حوله أطراف في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، تبحث عن بدائل اقتصادية ومالية تقلّل من تبعيتها للغرب. وعلى الرغم من أنّ هذا المحور ليس “تكتلاً فضيّاً مثالياً” ولا يخلو من تنافس داخلي، فإنّ الدافع الجامع له هو رفض اختزال النظام الدولي في إرادة واحدة تنطلق من واشنطن.
تاسعاً: آفاق القانون الدولي ومعنى “عائلة الإنسانية”
في ضوء هذا المشهد المتشابك، يشدّد جانسر على مركزية حظر استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة، ويرى أنّ التحدّي الأكبر ليس في النصوص، بل في إرادة تطبيقها على القوى الكبرى قبل غيرها. فحين تمتلك الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن حق النقض، تصبح قادرة على منع محاسبتها حتى عندما ترتكب انتهاكات صارخة، من احتلال أراض إلى شنّ حروب شاملة.
ومع ذلك لا يختتم جانسر تحليله بنبرة تشاؤمية خالصة؛ إذ يدعو إلى استعادة مفهوم “عائلة الإنسانية”، أي النظر إلى الشعوب خارج قوالب الصراعات القومية والطائفية التي تُغذّيها النخب السياسية والعسكرية. في هذا الإطار يقترح أن يكون قياس الشرعية السياسية، شرقاً وغرباً، بمدى احترام حياة المدنيين، وتجنّب الحروب، وتوزيع الثروة بعدالة، بدلاً من التستّر وراء شعارات ديمقراطية أو دينية تُستخدم لتبرير العنف.
خلاصة
يقدّم دانييل جانسر العالم اليوم كمنظومة تتهاوى فيها شرعية القوة الغربية التقليدية تحت وطأة الحروب المتكرّرة وازدواجية المعايير وانفجار التناقضات الداخلية. ويرى أنّ الخروج من هذا المنعطف يمرّ حصراً عبر إعادة الاعتبار لحظر استخدام القوة واحترام القانون الدولي على الجميع، وتطوير وعي كونيّ بالانتماء إلى “أسرة إنسانية واحدة” تتقدّم فيها حياة الناس على مصالح الإمبراطوريات.

