بقلم: ياوز أجار
تشهد الساحة السياسية التركية تحوّلات سريعة؛ فبينما تتفاقم الانشقاقات داخل جبهة السلطة، وتتصاعد الضغوط على المعارضة، ويتعمّق السخط الشعبي، يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان يزداد عزلة يوماً بعد يوم. ما يجري اليوم لا يعكس فقط أزمة بين الحكومة والمعارضة، بل يكشف عن تصدع في بنية الدولة برمتها.
شهداء شمال العراق وازدياد الغضب الشعبي
أثار استشهاد 12 جنديًا في عملية عسكرية شمال العراق حالة من الغموض والانزعاج في الرأي العام، ولا سيما بين عائلات الشهداء. ففي مراسم الجنازات الرسمية، عبّر أحد أقارب الشهداء عن غضبه بالقول: “قلبي يحترق، ولا أريد رؤية أي مسؤول من حزب العدالة والتنمية اليوم“.
هذا الحدث لا يعبّر فقط عن نتائج عملية عسكرية، بل يكشف عن أزمة ثقة متعمقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
اعتقال إمام أوغلو وتصفية الحسابات عبر ملفات الفساد
مثّل اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو نقطة تحوّل في حملة الاستهداف ضد البلديات المعارضة. وقد أثارت هذه الإجراءات تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل صراعاً سياسياً أم حملة حقيقية ضد الفساد.
كما أن تصريحات زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، التي ذكّر فيها بملفات الفساد الشهيرة في 17-25 ديسمبر 2013، زادت من ارتباك السلطة، إذ تُعتبر تلك الملفات خاصرة أردوغان.
انقسام السلطة وتماسك المعارضة
فيما تتصدّع جبهة الحكم، تسعى المعارضة لتوحيد صفوفها. فقد دعا حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) أمس إلى وقف تعيين الوصاة على بلديات حزب الشعب الجمهوري وإنهاء اعتقال رؤسائها. وأكّد الحزب أن الطريق إلى السلام الحقيقي يمر فقط عبر الديمقراطية، مشددًا على رفض استخدام القضاء كسلاح سياسي.
هذه الرسائل تدل على اتجاه متزايد نحو التنسيق بين قوى المعارضة، وتلمّح إلى بداية تشكّل مناخ سياسي جديد في التعامل مع القضية الكردية، في الوقت الذي يستغل أروغان مفاوضات السلام الكردي للحصول على تأييد من الحزب الكردي لدستور جديد يضمن له البقاء في الرئاسة لفترة إضافية.
هل يتعمّق الشرخ داخل حزب العدالة والتنمية؟
من التطورات اللافتة، تزايد العزلة التي يعيشها أردوغان حتى داخل حزبه. فقد وجّه مؤخرا نحو 20 من مؤسسي الحزب انتقادات علنية للسياسات الراهنة، في مؤشر واضح على أن حالة التململ الداخلي لم تعد قابلة للكتمان. حاول أردوغان حتى اليوم السيطرة على حزبه بقبضة حديدية، لكن يبدو أن هذه القبضة بدأت تفقد قوتها.
مواقف مفاجئة من بهجلي ومصير التحالف
تصريحات زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي الأخيرة تثير تساؤلات حول مستقبل تحالفه مع أردوغان. فقد أعلن تأييده لطلب أوزجور أوزيل ببث محاكمة إمام أوغلو مباشرة عبر التلفزيون الرسمي، داعيًا إلى الشفافية الكاملة.
والأهم، وصف بهجلي عملية “تركيا الخالية من الإرهاب” أو “السلام مع الأكراد”، بأنها ليست مشروع حكومة أو حزب، بل “مشروع دولة”، ووجّه رسالة مباشرة لأردوغان المماطل قائلًا: “على رئيس الدولة أن يتحمّل المسؤولية في هذا الإطار“.
هذه الكلمات اعتبرها البعض مؤشراً على أن تحالف “الجمهور” بات هشاً، لا سيما أن بعض الكتّاب القوميين المقرّبين من بهجلي بدأوا يلمّحون إلى إمكانية دعوته لانتخابات مبكرة.
سياسة التوتير والاستقطاب من جديد
مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وازدياد كلفة المعيشة، يتآكل دعم الشارع لأردوغان يومًا بعد يوم. وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا متواصلًا في فرصه للفوز بالانتخابات القادمة.
وأمام هذا الواقع، يبدو أن أردوغان يبحث عن مخرج من خلال إثارة التوترات والاستقطابات المعهودة. إذ يُقال إنه يدفع بكمال كليتشدار أوغلو للعودة إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري، في محاولة لإعادة إنتاج التوتر الطائفي بين السنّة والعلويين.
وفي الجهة الأخرى، تم تضخيم غلاف مجلة “ليمان” الكاريكاتوري بدعوى الإساءة إلى النبي (ص)، ما دفع بقواعد إسلامية إلى الاحتشاد في الشوارع، في محاولة لتأجيج استقطاب جديد بين الإسلاميين والعلمانيين.
أردوغان يبحث عن مخرج، ولكن أين؟
تضيق خيارات أردوغان السياسية يوماً بعد يوم. أدواته القديمة — مثل الاستقطاب، وشعارات المظلومية، وخطاب “معركة البقاء الوطني” — لم تعد فعالة كما في السابق.هل سيقدم “عقل الدولة” -كما يسميه بهجلي- مخرجاً من الأزمة لأردوغان؟ وهل سيرضى أردوغان بهذا المخرج أم أن هذا الانسداد السياسي والعزلة سيدفعانه إلى خطوات أكثر تطرفاً وخطورة؟
تركيا تقف على أعتاب مرحلة متوترة وغير مسبوقة. وفيما تتشابك الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظل الأنظار موجّهة نحو السراي، حيث يعيش أردوغان أطول صيف سياسي في مسيرته. فهل سيتمكّن من الخروج من هذا المأزق؟ أم أن فصول الأزمة ما زالت في بدايتها؟

